إصلاح منظمة الأمم المتحدة وحركة العولمة الجديدة
غوستاف ماسيا
رئيس مركز البحث الدولي للتنمية، ونائب رئيس جمعية
فرض الضرائب على المعاملات من أجل مساعدة المواطنين (أطاك فرنسا)
غشت 04
توجد الأمم المتحدة في مفترق الطرق، فهي لم تقصِّر حقيقة، ولم تُقنع كلية. إنها موضوع انتظار كبير، انتظار مؤسسة قد تقوم بضبط نظام دولي يستشعره الناس أكثر فأكثر كنظام جائر وخطير، انتظار دفاع ممكن عن حقوق كافة الشعوب وحقوق الدول الأقل تأثيرا التي لا تتحكم في مصيرها إلا بصعوبة على الساحة الدولية، والتي تسمى بالدول «الضعيفة» بالنسبة للدول التي لا محيد عنها، أي الدول «القوية». فهي تثير خيبة كبرى، خيبة تولد من وهم الحق بالنسبة لواقع السلطة، ومن التردد في إيجاد حلول منصفة تعود في نهاية الأمر إلى دور غرفة تسجيل في خدمة القوى الغربية وقوى المقاولات الدولية.
الرهان مهم اليوم. فالأمر يتعلق ببناء نظام دولي وهيئات سياسية تعارض عولمة المبادلات الاقتصادية وسمو السوق العالمية. وهو يتعلق كذلك بتلبية طلب بناء السلم وتسوية النزاعات في عالم أصبحت فيه الحرب هي القاعدة. ويتعلق الأمر أخيرا بالتصدي للتصرفات أحادية الجانب والتفاوتات الجيو- سياسية، وبالخروج من المواجهة الثنائية بين الدول والمقاولات بإفساح المجال لفاعلين جدد، وللعالم الجمعوي والجماعات المحلية على وجه الخصوص.
توجد الأمم المتحدة في قلب هذا النقاش، لكنها لا تلخص بمفردها النظام الدولي.[1] فهناك فاعلون آخرون ومؤسسات أخرى، نذكر منها على وجه الخصوص الاتفاقات المباشرة التي تولدت عن الدبلوماسية بين الدول وعن التحالفات العسكرية والمؤسسات المختصة والأمميات السياسية والشتات، وعن الشبكات العابرة للدول من كافة الأنواع. لكن الأمم المتحدة تحتل وضعية استراتيجية، فهي وحدها التي تتمتع بمشروعية تستند إلى مصلحة جماعية دولية مشتركة تطمح إلى أن تكون مرحلة باتجاه تحقيق مصلحة الإنسانية؛ وهي تقوم إلى حد ما بوظيفة مجموعة سياسية ضرورية لتأسيس القانون الدولي. ويمكن أن نتأكد من ذلك من خلال محاولة إقامة شكل جديد للسلطة الدولية، إنه مجموعة الثمانية الكبار3 التي سعت في واضحة النهار إلى الانفصال عن الأمم المتحدة بتهميشها وبإخضاعها، في حين أن مقترحاتها تحيل إليها باستمرار.
أصبحت مسألة إصلاح الأمم المتحدة مسألة مركزية. إلا أنها تخفي مع ذلك عدة إجابات. فنحن لا ننسى الحُجج، التي تتمتع بمشروعيتها، وهي حجج اؤلئك الذين يعتبرون أنها مجرد مسألة ثانوية تحوِّل الانتباه عما هو أساسي، وبأننا لا يمكن أن ننتظر أي شيء من الأمم المتحدة، بل ويعتقدون كذلك أنه قد يكون لخضوعها للمنطق السائد أو اختفائها فضل توضيح الوضعية وإزالة الأوهام على الأقل. فهذه المواقف تلعب دورها في تكوُّن الوعي والتحليل النقدي. وسنركز تفكيرنا، من وجهة نظر المقترحات، على المواقف التي تهيكل فضاء النقاش والمواجهات بخصوص الإصلاحات. فالبعض يرى أنه ينبغي أن تصبح الأمم المتحدة النظامَ السياسي للعولمة الليبرالية، مزيجا من المؤسسات من صنف البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية من جهة، وحلف عسكري من صنف منظمة حلف شمال الأطلسي من جهة أخرى. ويعتبر المدافعون عن الإصلاح المعتدل أن وجود ضبط هو هدف في حد ذاته، حتى ولو كان جزئيا وغير ذي فعالية كبرى. ويتعلق الأمر بالانتباه لعدم تكسير الجهاز بإعطاء السلطة بأكملها للتصرف الأمريكي أحادي الجانب، حيث يجب الاكتفاء ببعض التعديلات الطفيفة عندما يكون ذلك ممكنا. في حين يعتبر المدافعون عن إصلاح جذري أنه يجب قبول مخاطر إعادة النظر التي تشكل قطيعة ضرورية، اعتبارا لطبيعة الرهانات. ونحن نتموقع ضمن هذا المنظور.
لا تبدو لنا معرفة ما إذا كانت الأمم المتحدة قابلة للإصلاح أم لا أمرا حاسما في حد ذاته. والمسألة تتمثل في معرفة كيف نحدد إصلاحا جذريا وكيف نمكِّنه من فرض ذاته؟ فتحديد توجه ما والحالةُ التي توجد عليها الأوضاع يمكنِّان بما يكفي من السهولة من تحديد الإصلاحات الضرورية. لكن هذه الإصلاحات لن تفرض ذاتها من تلقاء نفسها. وقد أبانت الأمم المتحدة عن قدرتها على التطور. إذ أنها كانت قادرة، عندما تم إحداثها في سياق الحرب الباردة، على الإمساك بزمام قضية تصفية الاستعمار والمساهمة فيها. وهناك مسألة استراتيجية. لِنفترض أن حركة العولمة البديلة يمكن أن تكون حاملة لهذا التحول. وحينئذ ستفرض مسألة التحالفات نفسها من أجل فرضها. وهناك مسألة منهج كذلك، هي تلك التي تمكِّن من ربط منظور شامل بالنضالات والتعبئات من أجل القيام بإصلاحات خاصة.
والمقاربة المقترحة هي التالية: الانطلاق من رهانات المرحلة والتحديات التي تُطرح على المؤسسات الدولية، والعولمة والحروب والقانون الدولي؛ واستكشاف الآفاق الجديدة انطلاقا من الحالة القائمة؛ وتحديد التوجهات والخط الموجه لإعادة التأسيس والديمقراطية العالمية والعقد الاجتماعي العالمي، وكذا المكانة الاستراتيجية للقانون الدولي؛ وتشكيل محور استراتيجي، محور الحركات والنضالات من أجل دمقرطة النظام الدولي، مع ضرورة مزدوجة تتمثل في إدراج كل واحد من مقترحات الدمقرطة هذه في منظور الديمقراطية العالمية، وإدراج كل واحدة من الجبهات المناضلة من أجل الدمقرطة في تحالف أوسع لإعادة تشكيل النظام الدولي؛ وتوضيح مقترحات الإصلاحات الجذرية وطرح تساؤلات حول القوى الاجتماعية والسياسية التي يمكنها حملها، وحول التحالفات الممكنة.
الحالة القائمة والآفاق
يميز الوضعيةََ الدولية الجديدة هجومٌ مضاد ثلاثي قادته القوى التي دشنت ما أصبح يعرف بمجموعة السبعة وبمجموعة الثمانية في ما بعد، انطلاقا من بداية السبعينات. وهي تخص أزمة تصفية الاستعمار القائمة على تدبير أزمة الدين والانزلاق الاستبدادي لأنظمة العالم الثالث؛ وانهيار الإمبراطورية السوفياتية التي واجهت السباق نحو التسلح وإنكار الديمقراطية والحريات؛ ونهاية التوافق الاجتماعي لما بعد الحرب [العالمية الثانية] الذي أتلفته سياسة تحرير السوق وسياسة الهشاشة الاجتماعية. إذ سرعان ما وجدت الأمم المتحدة، التي شيدت مسارها الجديد على الحرب الباردة وتصفية الاستعمار، نفسها موضع مساءلة بكيفية مباشرة. حيث واجهت هي أيضا تصاعد التصرف أحادي الجانب للولايات المتحدة المتأكدة من قوتها ومن حقها، والتي يقل اهتمامها بالمظاهر أكثر فأكثر، وتنوي الانفراد بتنظيم العلاقات الدولية وفق مصالحها ووفق تصورها للعالم.
بلغت الهيمنة الإيديولوجية ذروتها بعد سقوط جدار برلين. وتم تلخيص هذه الهيمنة بتأكيدين حاسمين. حيث تفترض «نهاية التاريخ» التي صاغها فوكوياما بأن الضبط بواسطة السوق، المعلن كمشارك للديمقراطية في الجوهر، يشكل أفقا لا يمكن تجاوزه، وبأن توسع التجارة العالمية وملاءمة المجتمعات مع السوق العالمية هما الدعامتان الوحيدتان للسياستين الاقتصادية والاجتماعية. ويفترض «صدام الحضارات» الذي صاغه هانتينغتن أن أساس النزاعات والحروب لا يعزى للتفاوتات والتبعيات، فهو يندرج في الأمد الطويل ويبرِّر، لمواجهة المصالح التي لا يمكن التوفيق في ما بينها، مقاربة عسكرية وإمبريالية في المقام الأول.
أدى بروز حركة العولمة البديلة، كثقل مواز لهذا التطور، منذ نهاية التسعينات إلى الوعي بالآثار السلبية لتلك السياسات ولطبيعة النظام. وتوضح المعارضة المسألتين اللتين هما في قلب مبرر وجود الأمم المتحدة: المحافظة على السلم وتسوية النزاعات؛ والإطار الدولي المناسب لتحويل المجتمعات باتجاه محاربة الفقر والتفاوتات وتحسين ظروف عيش الشعوب. ويمكِّن تحليل الوضعية وعودة نقدية بخصوص التطور من تحديد المسالك الضرورية لإعادة تأسيس الآفاق.
تم إحداث الأمم المتحدة من أجل ضمان السلم. فقد لعبت دورا في الوضعيات المهمة: الحرب الباردة، تصفية الاستعمار[2]، اتفاقيات نزع الأسلحة النووية. لكن تصفية الاستعمار ونهاية الحرب الباردة لم تُحققا السلم.
مناطق النزاعات في تزايد والساكنة التي تعيش فيها تقارب المليار. وطبيعة النزاعات تتوسع. فالحروب المرتبطة بالتحكم في الموارد والمناطق الترابية ما تزال تكتسي طابعا راهنيا، وبُعد الهوية في النزاعات يزداد حدة جامعا التمييز المجالي والتطهير المسمى ب «العرقي». والنزاعات الإقليمية، وداخل الدول تمتد إلى ما لا نهاية. والحركة الجدلية بين إرهاب الشبكات وإرهاب الدولة يؤدي إلى تراجع الحقوق المدنية والسياسية باسم «صدام الحضارات» الذي يبرر شرعنة «اللاقانون» والتعذيب، واستراتيجية الحروب من القوي إلى الضعيف، ومفاجأة اكتشاف قدرة الضعفاء على كشف نقط ضعف الأقوياء.
تأتي خيبة الأمل من أن الأمم المتحدة، التي يتم التلويح بها كمرجع في كل مناسبة، تبدو عاجزة عن الحيلولة دون اندلاع النزاعات وتفتقر إلى الوسائل التي تمكنها من فرض احترام حقوق الشعوب. إنها لها قوة خاصة، فالدول لا تحترم التزاماتها ولا وجود لعقوبات ممكنة. وتؤكد الدول أنها تريد الدفاع عن مصالح الإنسانية، لكنها مهتمة بمصالحها على وجه الخصوص. ومجلس الأمن فقد مصداقيته بممارسته ل «الكيل بمكيالين» في تسوية النزاعات. وأعضاؤه الخمسة الدائمون الذين يتمتعون بحق الفيتو هم المصدرون الرئيسيون للأسلحة والمحرضون على الحروب. فعندما يحصل الاتفاق فيما بينهم، يكون حق الأقوى؛ وعندما لا يحصل يحدث الشلل! ويذكي أزمةَ نظام الأمم المتحدة تضاعفُ الأزمات الدولية وتزايد النزعة أحادية الجانب.
قد يكون من المفيد، لتحديد آفاق جديدة، تجديد التفكير حول بناء السلم. إذ في الوقت الذي يوجد فيه بناء الحرب في تجدد مستمر لم تبرح كيفية إقامة السلم تصورات القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر. فالسياسات ترجع إلى طاليران Talleyrand (أولوية داعي المصلحة العليا للدولة والمصلحة الوطنية) وإلى كلوزويتس Clausewitz (الحرب باعتبارها استمرارا للسياسة)؛ حيث نجد في هذه السياسات تصوري المصلحة الوطنية والسيادة الوطنية في أشكالهما القديمة؛ ويتحرر داعي المصلحة العليا للدولة من أية قاعدة أخلاقية؛ ومأسسة أحلاف المنتصرين؛ والإحالة إلى مبادئ بدون مراقبة لتطبيقها؛ وقواعد للتحكيم بهندسة متغيرة. والتصورات الجديدة للسلم تستند إلى التصورات القديمة، ففلسفة السلم الدائم لكانط تعود بالفعل إلى سنة 1795 ونزعة السلم كانت تشكل جزءا من النقاشات السياسية للقرن التاسع عشر. ويمكن عرض ثلاثة مسالك جديدة. أولا إعادة التفكير في الربط بين الوقاية وتسوية النزاعات ومحاربة الفقر والتفاوتات في فكر التنمية، والدفاع عن الحقوق الفردية والجماعية. وبعد ذلك الإفادة من التجارب الجديدة للمجالات المشيدة على تأكيد العلاقة بين السلم والديمقراطية، مثلا في الاتحاد الأوربي أو من خلال اتفاقات هلسنكي حول الأمن المشترك في أوربا. وأخيرا الفكر المتعلق بالعنف، وبأشكال الاضطهاد والرعب والمقاومة، وبظروف احتكار العنف.
تفتح العولمة في مرحلتها الراهنة، الليبرالية الجديدة، أزمة نظام العلاقات الدولية القائمة على الاتفاقيات الدولية لما بعد الحرب [العالمية الثانية]. فالحكامة الاقتصادية العالمية الجديدة[3] التي وضعتها مجموعة الخمسة في طوكيو أقامت أسس النظام الدولي، وهي: التنقل الحر المعمم للرساميل في سياق عجز عمومي قوي، والتبادل الحر في مجال المنافسة العالمية، وسمو الشركات متعددة الجنسيات وتقويم السوق العالمية في إطار توافق واشنطن الذي قاده صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وضبط النظام النقدي الذي تقوم به الأبناك المركزية، وFED للولايات المتحدة بصفة خاصة. وقد جاء إنشاء منظمة التجارة العالمية بهيئتها المختصة في تسوية الخلافات تتويجا للإطار المؤسساتي للعولمة الليبرالية. فهي تقوم بتوسيع السوق العالمية وتفوقها وتنظم سمو قانون الأعمال على الجوانب الأخرى للقانون الدولي[4].
ساهمت حركة العولمة البديلة، في إطار التنوع، مساهمة واسعة في الوعي بالتأثيرات السلبية للسياسات المرتبطة بالمرحلة الحالية من العولمة. فالنمو العالمي يتمخض عن نمو الفقر والفوارق المرتبطة بالتمييزات؛ والتفاوتات بين الشمال والجنوب في تزايد مستمر، وهي تذكي النزاعات والعنف والحروب. ووصل تدمير الطبيعة والموارد غير المتجددة والبيئة إلى الحدود القصوى للنظام الإيكولوجي للأرض، معرضا حقوق الأجيال المستقبلية للخطر؛ ويقوي انعدام الأمن الاجتماعي نزعة اللا تسامح ويعرض الحريات والديمقراطية للخطر. فتصور التنمية يوجد في أسس النظام الدولي[5]. ويواجه نظام الأمم المتحدة هذه الوضعية من وجهة نظر مزدوجة. فمنذ البداية، وحتى قبل الليبرالية الجديدة، لم يكن الضبط الاقتصادي ضمن اختصاصاتها. حيث كان المذهب السائد في تلك الفترة في نظام الأمم المتحدة هو الوظيفية التي تدعو بإلحاح إلى إقامة نظام علاقات بين الدول حول المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المواتية للسلم، نظام يفصل قضايا الأمن عن القضايا الاقتصادية. وقد واجهت محاولات البلدان التي تحررت من الاستعمار، في الستينات، الرامية إلى استعمال الأمم المتحدة من أجل تحديد «نظام اقتصادي دولي جديد»، يكون نظاما ملائما لتنمية العالم الثالث، الذي تم تصوره في غالب الأحيان من حيث «تدارك ما فات»، واجهت منذ مدة طويلة معارضة شرسة للولايات المتحدة والمعسكر الغربي، الذين قرروا آنذاك تهميش الأمم المتحدة وإحداث مجموعة الخمسة التي ستصبح مستقبلا مجموعة الثمانية.
لم تقف الأمم المتحدة مكتوفة الأيدي أمام استراتيجية التهميش هذه. حيث شاركت في النقاش حول تصور التنمية وأعطته بعضا من المشروعية. وبتنظيم الأمم المتحدة لمؤتمرات متعدد الأطراف حول القضايا المستعجلة، تجنبت الإحالة الطقوسية إلى التنمية المستدامة وخطر توافق مشبوه قد ينفي الطابع المتناقض والمثير للنزاع بين نماذج وسياسات التنمية. فتصور التنمية المستدامة هذا، يحيل، وراء تأثيرات الموضة، إلى المقترحات التي تمت مناقشتها في المنتديات المدنية للمؤتمرات الكبرى متعددة الأطراف، بريو دي جانيرو (التنمية والبيئة)، وبكوبنهاجن (التنمية الاجتماعية) وبفيينا (حقوق الإنسان)، وببكين (مكانة النساء)، وبالقاهرة (السكان)، وبإستانبول (السكنى والمدن)، وبدوربان (العنصرية) وبكيوطو (الطقس)، وبجوهانسبورغ (محاربة الفقر)، الخ[6]. وهذه هي المقترحات التي تقاربت في ما بينها انطلاقا من سياتل. وفيها نجد الخطوط الكبرى لتنمية مستدامة تكون فعالة اقتصاديا ومستدامة إيكولوجيا ومنصفة اجتماعيا ومؤسسة ديمقراطيا ومتنوعة ثقافيا ومقبولة جيو- سياسيا.
يجب أن نبرز عدم تكيف الأمم المتحدة، في تصورها الراهن، مع الضبط الاقتصادي. فالنقاش حول التنمية هو نقاش مركزي ويجب أن يأخذ بعين الاعتبار عنصرين جديدين، هما نقد مخططات التقويم الهيكلية وتحرير السوق من جهة، والنقاش حول حدود النموذج الإنتاجوي في مواجهة النموذج الإيكولوجي الجديد وحدود النظام الإيكولوجي وإخفاق التحول السوفياتي، من جهة أخرى.
وعلاوة على ذلك فأن مسألة التنمية ليست مستقلة عن مسألة تسوية النزاعات والوقاية منها. فالسلم شرط للتنمية. والرأي الشائع على نطاق واسع، القائل بأن الاستقرار شرط ضروري ومسبق للتنمية هو في غالب الأحيان رأي يقوم على أساس راسخ. لكن الاستقرار لا يبرر مع ذلك تقديم الدعم لأنظمة استبدادية وغير شعبية. وليس بإمكاننا أن نتجاهل أساسا بأن التنمية، باعتبارها تحريكا وسعيا إلى تغيير اجتماعي، تتضمن نزاعات اقتصادية واجتماعية وثقافية ووطنية. فهي تندرج في وضعية مطبوعة سلفا بالصراعات. وفرضية التسوية السلمية للنزاعات في الأنظمة السياسية الديمقراطية هي بطبيعة الحال الأكثر أهمية، لكنها غير كافية. إذ أن الأنظمة الديمقراطية ليست ضامنة كليا لتأمين تغيير اجتماعي باتجاه عدالة أكبر وتضامن أكبر. فبدون تقليص لحالات الظلم والفوارق تضعُف الديمقراطية وتفقد مشروعيتها؛ ولا تمكِّن أبدا من التسوية السلمية للنزاعات، وإنما تذكي نارها سيما وأن العولمة في أشكالها الراهنة تؤدي إلى تفاقم تلك النزاعات. إنها تُضعف الضبط العمومي وإصلاح الاختلالات. فهي تُخضع حرية تنقل الأشخاص لحرية تنقل الرساميل والسلع، مفرغة البلدان من كفاءاتها البشرية وحاكمة على الشعوب بالإقامة الجبرية ومنكرة للحقوق الأولية للأشخاص. وتضاعف النزاعات الجديدة المطبوعة باليأس الناتج عن عدم وجود آفاق النعرات الطائفية. حيث يفضي عدم وجود حدود خارجية والردع إلى تمزقات قصوى.
تقتضي الديمقراطية إذن شرطا مزدوجا يتمثل في عدم قيادة الأغلبية من طرف أقلية، وفي احترام الأغلبية لحقوق الأقليات. فبدون مراعاة ذلك تتسلل التصفية العرقية ويتضاعف التمييز الاجتماعي. وقد تميزت الفترة التاريخية الأخيرة بالعلاقة بين المسألة الوطنية والمسألة الاجتماعية؛ والمسألة العالمية تغير من ارتباطهما.
من بين المسالك التي تنفتح لإعادة صياغة فكر التنمية والنظام الدولي الذي يقابلها، سنقوم بإبراز ثلاثة جوانب، هي: التجارة العالمية والنقد، وحق الشعوب في اختيار نموذج تنميتها، والربط بين مستويات الحكامة الاقتصادية.
يَعتبر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن تحرير التجارة زاد من حدة المشاكل الهيكلية للبلدان الأكثر فقرا: مديونية لا تحتمَل، انخفاض أسعار المواد الأولية، السيدا والنزاعات المسلحة. وبما أنه أبعد ما يكون عن تنمية البلدان الفقيرة فإنه قاد إلى القضاء على التصنيع فيها. إذ لا يمكن للتجارة العالمية أن تساهم في التقليص من الفقر إلا إذا سبقت التنمية الوطنية الاندماج العالمي. ففي هندسة العلاقات الدولية، تجب إعادة النظر في العلاقة بين النقد والتجارة. لأنه ليس للتجارة من سبب وجيه لتكون عالمية بالأساس. وقد عارض كينز من قبل التأكيد الليبرالي على وجوب معالجة التجارة في المقام الأول دونما اهتمام بالمستوى النقدي[7]. فالمسألة النقدية العالمية شرط أولي. وهناك مقترحات مستلهمة من كينز (نسب صرف ثابتة مقابل نسب الصرف العائمة، تمويل الوساطة مقابل تمويل السوق، مراقبة حركات الرساميل على الصعيد الدولي مقابل تنقلها بِحُرية)، بما في ذلك مقترح عملة دولية للأداء مع توفير نظام إقليمي على مستوى العملة.
توجد قلة من المقترحات البديلة عن التجارة العالمية الليبرالية. فعالم الاقتصاد ج. دي مارتينو من أمريكا الشمالية يقترح أن يتم ضبط التجارة الدولية على قاعدة متعددة الأطراف، داخل منظمة عالمية للتجارة المنصفة، على أسس مجدَّدة بكيفية عميقة. فقد لا يعود البتة الهدف من التجارة الدولية هو تنمية النواتج الداخلية الخام، وإنما تنمية القدرات والحريات الفعلية لمواطني كل بلد؛ ولا رفع الثروة النقدية إلى الحد الأقصى، وإنما الزيادة في إمكانيات كل فرد لإرضاء حاجياته الأساسية، مفهومة بالمعنى الواسع. وقد أوضح أمارتيا سين Amartya Sen، عالم الاقتصاد الهندي (جائزة نوبل 1998) أن تنمية «القدرات» البشرية هو هدف اقتصادي أفضل بكثير من هدف النمو. ويجب أن نفهم من القدرات ما يلي: أن يتعلم المرء، وأن يكون في صحة جيدة، ويشارك في الحياة الاجتماعية والسياسية، وأن يختار عمله بحرية، ... وقائمة «القدرات» هي قائمة لا نهاية لها. وتتمثل فكرة «السياسة التجارية المنصفة» في حماية البلدان التي تُنمِّي قدرات مواطنيها من المنافسة غير الشريفة للبلدان التي تضحي بما هو اجتماعي لتقلص كلفاتها في الإنتاج. وقد يتعلق الأمر بكيفية ما باتفاق اجتماعي متعدد الأطراف مضاد لإغراق السوق. كما يمكن أن تنتج الحماية عن تعديل للقوانين الجمركية تبعا لأداءات كل بلد: من الممكن أن تكون للبلدان «الصالحة» حقوق جمركية أعلى تمكنها من حماية منتجيها من منافسة البلدان «الطالحة» التي يمكن ألا يكون لها الحق في حماية نفسها. وهو مسلك يستحق المناقشة...
لكل شعب الحق في اختيار نموذج تنميته. إنها الفلسفة التي تتبوأ الصدارة على نطاق واسع في الإعلان حول حقوق التنمية الذي تم اعتماده سنة 1986 في إطار الأمم المتحدة. وهو أيضا شرط لنجاح سياسات التنمية. إذ يجب تحديد سياسة التنمية بالنسبة لوضعية ما، للديناميات الداخلية ولتعبئة المجتمع. وهو أمر يقتضي استعادة السيادات الوطنية في المجال النقدي ومجال التنمية، بما في ذلك مجال السياسات الضريبية والأجورية والمالية والاجتماعية. ومع ذلك لا يتم إلغاء المسئولية الداخلية للأنظمة وللدول الوطنية؛ فمسئوليتهم قائمة على العكس من ذلك أمام شعوبها، في ما يخص التوجهات وفي ما يخص احترام حقوق الإنسان بصفة خاصة. إذ لا يمكن محاربة الفكرة القائلة بأن كل الدول هي بالضرورة دول فاسدة وبيروقراطية وغير فعالة دون القيام بمحاربة الانحرافات البيروقراطية والتيكنوقراطية والاستبدادية للدول. فمسألة الديمقراطية هي مسألة أساسية. والتوافق بين التنمية والديمقراطية ليس آليا، بل يخضع لاختيار سياسي إرادي. وقد كان ازدراء التطلعات الديمقراطية والحريات حفار قبور للأنظمة المنبثقة عن الاستقلال. لكن الإحالة إلى الديمقراطية والحريات لا يمكن أن تكون خطابية. ومسألة الديمقراطية لا يمكن أن تختزل إلى عقيدة جديدة، عقيدة المطابقة بين السوق والديمقراطية. فالدمقرطة هي شرط من شروط التعبئة والالتزام من أجل التنمية. إنها تؤسس ضرورة الدولة ومشروعيتها كضامن للمصلحة العامة وأداة للسياسات الاجتماعية للتوزيع وحامل للروابط الاجتماعية التي تؤسس التنمية الاقتصادية.
يقوم إصلاح النظام الدولي على الأخذ بعين الاعتبار لأصعدة التحول الاجتماعي، وعلى ارتباط الأصعدة المحلية والوطنية والمتعلقة بالأقاليم الكبرى والعالمية. ففي هذا الارتباط يُبنى الإطار المؤسساتي للديمقراطية العالمية. والصعيد المحلي هو صعيد تلبية الحاجيات، والعلاقة بين السكان والتراب، والعلاقة بين الديمقراطية والتنمية. وتقوية الجماعات المحلية واللامركزية المفعمة بروح المواطنة والتنمية المحلية هي قضايا ذات أولوية. فديمقراطية القرب تحمل شكلي التمثيل معا، التفويض والمشاركة. وينبغي أن تكون طريقة الحصول على الخدمات الأساسية أسسا للسياسات المحلية؛ إذ ينبغي أن يجعل منها النظام العالمي أولوية، وأن يدعم الديناميات المحلية. ويحتفظ الصعيد الوطني بكامل ملاءمته، فهو ضروري لتأسيس السياسات العمومية على الديمومة والمصلحة العامة. إنه صعيد الضبط الاجتماعي والضبط القطاعي والمجالي على مستوى التهيئة الترابية، والضبط الإيكولوجي، والمحافظة على مصالح الأجيال المستقبلية. فالصعيد الوطني هو صعيد المساواة وإعادة التوزيع عبر مختلف أشكاله، عبر التسعيرات والنظام الضريبي وتوزيع مداخيل الريع. والصعيد الماكرو اقتصادي هو صعيد سلطة الدولة، صعيد التماسك والقيادة. لذلك، يجب أن يكون أولا وقبل كل شيء وطنيا وليس أداة مفضلة للتحكم الخارجي. والصعيد القطاعي هو صعيد التحكم في التقنيات، وتنظيم الإنتاج والعمل؛ لذلك ينبغي أن يفتح النظام الدولي آفاقا بالنسبة لهيمنة احتكار الأقليات والأسواق المالية. وينبغي في جميع الأحوال تنظيم أقاليم كبرى جيو- ثقافية كردود ممكنة على العولمة، وباعتبارها فضاء بديلا للتنمية. وهو أيضا الصعيد الملائم لتسوية النزاعات والمحافظة على السلم. كما يجب أن تقابل الإقليمية رؤية سياسية رحبة تتضمن، وراء المسألة النقدية، بناء فضاءات اجتماعية وفضاءات للإنتاج وأسواقا ومبادلات إقليمية واتفاقات للمحافظة على الديمقراطية ودعمها. ويجب أن تشجِّع هندسة النظام العالمي التنمية في خدمة الشعوب ومحاربة الفوارق الاجتماعية والإيكولوجية والجيو- سياسية. كما يجب تفعيل إعادة التوزيع على المستوى الدولي بنظام ضريبي دولي وبإعادة التوازن إلى أطراف التبادل. وهذه فائدة مقترحات مثل مقترح إحداث مكوس إيكولوجية ومكوس على المعاملات المالية قصيرة الأمد. وهذا التطور يتطلب إقامة مؤسسات دولية تكون في نفس الوقت فعالة وديمقراطية ومكرسة حقا لهذه الأهداف المتعلقة بتدبير الموارد المشتركة وإعادة توزيعها.
الخط الموجِّه للديمقراطية العالمية والقانون الدولي
يجب أن تأخذ إعادة تأسيس الأمم المتحدة بعين الاعتبار البعدين الأساسيين المتمثلين في بناء السلم وتسوية النزاعات من جهة، ونظام للعلاقات الدولية يشجع تحويل المجتمعات في اتجاه الحرية والمساواة من جهة أخرى. وقد بين تحليل الوضعية القائمة والآفاق أن النقاش مفتوح وأن عدة تطورات ممكنة. ومن المناسب، لكي نتمكن من الذهاب بعيدا في تحديد استراتيجية، أن نحدد التوجهات التي تميز المقاربة المقترحة. فلنقترح خطا موجِّها منظما حول أمرين ضروريين هما: دستور جديد للعالم يقوم على الديمقراطية العالمية؛ وعقد اجتماعي عالمي يقوم على احترام وضمان الحقوق، سواء منها السياسة والمدنية أو الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتطور القانون الدولي هو اليوم، من وجهة نظر هذا الخط الموجِّه، المجال الاستراتيجي للمواجهات.
يؤسس النقاش حول الديمقراطية العالمية إرادة دستور جديد للعالم. ويجب أن يُؤخَذ هذا النقاش بالضرورة في النقاش الذي طرحته الأمم المتحدة والذي يشغلنا في هذا الكتاب. إنه يندرج في منظور محدد بثلاثة عناصر جديدة هي: الوعي بالطابع المعادي للديمقراطية للنظام العالمي القتئم؛ والفكرة القائلة بأن الديمقراطية العالمية ممكنة؛ وتقارب الممارسات والنضالات من أجل دمقرطة النظام العالمي. وما يمكِّن من وصف النظام كنظام معاد للديمقراطية هي التفاوتات الجيو- سياسية وعلاقات السيطرة شمال-جنوب بصفة خاصة؛ والفوارق الاجتماعية المبنية على التمييزات؛ وعدم احترام حقوق الأجيال القادمة. إنها تترجم القناعة بأن هذه التناقضات تتمخض دائما عن وضع الحقوق وانتهاك الحريات الفردية والجماعية موضع تساؤل. فالصعيد العالمي ملائم تماما لتمثل الديمقراطية. والعولمة تؤكد ذلك من خلال طابعها المتناقض. ويجب كذلك أن نتساءل عن كيفية التفكير على الصعيد العالمي. إذ لا مجرد نقل كيفية التفكير في الديمقراطية على الصعيد الوطني. فبالانطلاق من المفاهيم التي نتوفر عليها والتي تمت صياغتها في القطيعات السابقة، يجب أن نقوم ببناء المفاهيم الجديدة المقابلة لمرحلة القطيعة التي نعيشها، ومن تم ضرورة ربط الحركات المطبوعة بروح المواطنة والممارسات الاجتماعية وبلورة النظريات بكيفية وثيقة.
يمزج التفكير حول الديمقراطية ما بين مدخلين اثنين هما: الديمقراطية معتبرَة بمثابة ضرورة وقيمة، وإذن بمثابة اختيار سياسي؛ والديمقراطية معتبرَة بمثابة نموذج لتسيير المؤسسات. وهذان المدخلان يظلان ملائمين على المستوى العالمي، لكنهما لا يترتبان عليه بصفة خطية. فالديمقراطية العالمية ليست جمعا للديمقراطيات الوطنية، والمؤسسات الديمقراطية العالمية لا تنجم عن المؤسسات الوطنية، حتى ولو كانت كلها ديمقراطية. وإذا ما نحن أخذنا بمثابة تعريف «ضرورة أن يتكفل البشر بمستقبلهم الفردي والجماعي»، فإن الديمقراطية باعتبارها قيمة تأخذ معناها كاملا على الصعيد العالمي. سيما وأن هذا الصعيد هو الذي يقرِّب، منذ تصفية الاستعمار، تصور الحضارات من تصور الإنسانية. لقد تحددت أهداف الديمقراطية تاريخيا بالسعي إلى السلم والوقاية من الحروب والتسوية السلمية للنزاعات؛ واحترام الحقوق والحريات الفردية والجماعية؛ وتلبية الحاجيات الأساسية والعدالة الاجتماعية؛ وتحكم كل مجموعة في مستقبلها. فهذه الأهداف تحيل بالتأكيد إلى التناقضات الكبرى للمجتمع العالمي الراهن. ومن وجهة نظر تسيير المؤسسات، تحيل الديمقراطية إلى الحكم بواسطة الشعب. والنظام العالمي هو نظام بين الدول؛ حتى ولو كان ميثاق الأمم المتحدة يفتح آفاقا أخرى ببدايته ب «نحن، الشعوب...»![8] وإذا كان تحديد العلاقات بين الشعوب والأمم والدول، على مستوى كل دولة، ليس بسيطا فإن نقله إلى الصعيد العالمي يظل أمرا إشكاليا كذلك. فهل بإمكاننا أن نتحدث عن شعب-عالَم، يتشكل من شعوب العالم، من شأنه أن يكون أساسا للديمقراطية العالمية؟
يحيل تسيير المؤسسات إلى مسألة الأغلبية. إذ لا يمكن تصور ديمقراطية إذا كانت أغلبية خاضعة لقانون أقلية. لكننا نفهم اليوم على نحو أفضل أن ديمقراطية ما تكون معيبة عندما لا يتم احترام حقوق الأقليات. ومفهوم الأقلية ذاته هو موضع نظر: يحيل تمييز أقلية ما إلى تجانس الأخريات المنصهرة في أغلبية؛ والمجموعات الثقافية التي تفصل الحدود في ما بينها تعتبر بمثابة جمع لأقليات؛ وما القول في النساء اللائي يعتبرن بمثابة أقلية! فعلى الصعيد العالمي، تظل مسألة وضعية أغلبية سكان الكوكب كما هي في حدتها، لكن مفهوم الأقلية يفقد الكثير من معناه. ومن المهم، لمعالجة هذه القضية، أن نعود إلى تعريف الحقوق الفردية والجماعية وأن نشدد على التمييزات ودورها الهيكلي في الفوارق؛ بداية من التمييزات بين الأنواع الاجتماعية. ويجب أيضا طرح مسألة ضمانة الحقوق. فضمان الحقوق يعود بالتأكيد إلى الدول، لكن، من يضمن دول القانون؟ هنا تتدخل مسألة المواطنين والمواطنة. ومسألة التمثيل هي أيضا مسألة أساسية. فقد استعاد النقاش بين الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية المباشرة قوة جديدة مع الديمقراطية التشاركية. والتفكير في الديمقراطية التمثيلية مطبوع إلى حد كبير بالاندراج في السيادة الوطنية، إذ أن الشعب سيد بالأمة، وهو يحيل إلى نموذج الدولة الأمة الذي كان نقطة وصول الحق في تقرير المصير. وهذا النموذج الذي يستمر في الاشتغال في نظر الكثيرين كأمر بديهي لا يمكن نقله إلى الصعيد العالمي؛ إذ يجب، من أجل إعادة بنائه المرور من مرحلة التفكيك. وهو دور المواطن وطرح أفق مواطنة عالمية قد تُستخدم بمثابة الخيط الموجِّه.
ترسم المقاربة بالحقوق وبالمساواة في الحصول على الحقوق، منظور عقد اجتماعي عالمي. ففي كل مجتمع، وعلى المستوى العالمي، يتقدم الوعي بالمأزق الذي قاد إليه النموذج السائد، الذي هو نموذج التقويم الهيكلي. وهناك نزوع مضاد يشق طريقه في حركة العولمة البديلة التي تشكل صدى لتطور القانون الدولي. إذ من الممكن ضبط الاقتصاد والمبادلات انطلاقا من احترام الحقوق؛ الحقوق المدنية والسياسية بقدر احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ففي كل تعبئة تصبح هذه الإحالة إلى الحقوق مركزية أكثر فأكثر. فضلا عن كونها تبرز من المنتديات الاجتماعية التي تطالب بالمساواة في الحصول على الحقوق وضمان ذلك من طرف الهيئات العمومية. ويشكل ذلك بديلا عن الضبط الليبرالي الجديد الذي يفرض على المجتمعات ضبطا يقوم على قواعد السوق العالمية القائمة على منطق السوق العالمية للرساميل ودكتاتورية المساهمين. فالمقاربة المبنية على احترام الحقوق هي رد على التناقضات التي يتم إبرازها لمعارضة السياسات النيوليبرالية: يقتضي النضال ضد الفوارق الاجتماعية التي لا يمكن أن تُضبط بالنمو، النضال ضد التمييزات وتفكيرا حول طبيعة النمو؛ والنضال من أجل حقوق الأجيال القادمة يميز تصورنا للنموذج الإيكولوجي؛ كما تميز حقوق الشعوب والنضال ضد الهيمنة الجيو- سياسية والحروب تصورنا للعلاقات بين الشمال والجنوب. والتحديث الأكثر أهمية هو تحديث الاحترام وتحديث ضمان الحقوق الأساسية وتعميقها؛ لتُمَكِّن الحقوق المدنية والسياسية، والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كذلك من الضبط الأكثر أهمية للمجتمعات، بما في ذلك الأسواق؛ ولتكون السياسة الاقتصادية الجديدة هي تلك التي تنظم حصول الجميع على الخدمات الأساسية وإرضاء الحاجيات الأساسية والطموحات الشعبية.
النقاش الدولي حول الحقوق مفتوح. والمنظور هو منظور عقد اجتماعي عالمي جديد. وهو يتضمن تعدد التصورات في مجال سياسات التنمية. فالمقاربة اعتمادا على الحقوق تُجدد تصور التنمية والتساؤلات حول العلاقات بين النمو والتنمية، والنمو وإعادة التوزيع، والتنمية والبيئة، والتنمية والديمقراطية. حيث تتم مساءلة طبيعة النمو التي لا يمكن أن تُحصَر في النمو النقدي والتجاري. وهو يتميز بالنضالات ضد الفوارق والتمييزات المؤسِّسة للسياسات الاقتصادية. ومن دون أن نتجاهل أهمية الوضعيات الخاصة والمقاربات الثقافية، فإن كونية الحقوق معترف بها؛ بصفة خاصة بين الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. إذ ينبغي أن تكون جميعها خاضعة للقضاء وأن تطبق مباشرة أمام المحاكم. وهناك العديد من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تحقق لها ذلك. ويميِّز التوفيق بين الحقوق المتعارضة في كل وضعية طبيعة السياسات. فلنأخذ الحق في الصحة بالنسبة للحق في الملكية الفكرية في حالة الأدوية الجنيسة، أو الحق في إعادة الإسكان في حالة الطرد من السكن بالنسبة للحق في الملكية، الخ. والمقاربة ب اعتمادا على الحقوق تجدِّد مقاربة التقييمات؛ فهي تعطيها إطار تماسك مشترك. وفي هذا المنظور تأخذ كيفيات التقييم كامل أهميتها: استقلال هيئات التقييم بالنسبة للمؤسسات، ونقاش عمومي وعلني يفسح المجال لمختلف الفاعلين الاجتماعيين ولتعدد الخبرات.
لا يمكن أن يتأسس القانون الدولي إلا على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة. تلك هي النقطة الثابتة التي ينبني عليها نظام العلاقات الدولية، والمرتكَز الذي يعطي مشروعيته للأمم المتحدة في النظام العالمي. فتعبئة القانون وتعميق القانون يمثلان بالنسبة لحركة العولمة البديلة هدفين استراتيجيين؛ والقانون الدولي هو من وجهة النظر هذه ميدان مواجهة مركزية في النضال ضد العولمة النيوليبرالية وتحديد عالم آخر. وسيتوجب على القانون الدولي أن يضمن الحقوق الأساسية. فكيف يتم ضمان الحقوق في سياق العولمة؟ ضمانة الحقوق تسائل في هذه الحالة طبيعة السلطات ومشروعيتها. وتكمن المقاربة الأولى في تحديد المسئوليات؛ مسئوليات السلطة السياسية وخاصة الدول والمؤسسات الدولية، ومسؤوليات السلطة الاقتصادية، وخاصة المقاولات والشركات متعددة الجنسيات. حيث يجب توفر الإمكانية، بمجرد ما يتم إثبات انتهاك للحقوق، على مساءلة اؤلئك المسئولين عن ذلك بسبب أعمالهم أو سياساتهم. وتحيل هذه المقاربة إلى إمكانية اللجوء إلى القضاء بشأن الحقوق وإلى تحديد هيئات الطعن على صعيد العولمة. إذ أنها تقتضي مراجعة دور المؤسسات العمومية في ضمان الحقوق، خصوصا بين الأصعدة المحلية والوطنية والإقليمية والعالمية. ويترتب عنها تعميق لتصور المواطنة ودور المواطنين في ضمان الحقوق. وقد شرعت الأمم المتحدة في هذا التطوير من خلال إعداد البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهو البروتوكول الذي طالب به المؤتمر العالمي لفيينا حول حقوق الإنسان سنة 1993. ومن شأنه أن يعترف للأفراد وللمجموعات بالحق في تقديم شكاوى شكلية تتعلق بعدم احترام العهد. وقد يكون خطوة مهمة نحو إمكانية اللجوء إلى القضاء بشأن الحقوق والاعتراف بعدم قابلية تجزيء الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
لنذكر على سبيل المثال إحدى المناقشات التي تحدد اليوم تطور القانون الدولي.[9] إذ يجب اعتبار القانون الدولي بمثابة أداة. لأنه اليوم أداة في خدمة المقاولات متعددة الجنسيات بصفة خاصة. فهل يمكن أن يصبح أداة في خدمة المواطنين؟ التباس العلاقة بين العولمة الاقتصادية وكونية حقوق الإنسان يظل قائما، إذ أن «قانون العولمة» ذو الطابع الاقتصادي هو أسرع بكثير وأكثر فعالية من «عولمة القانون» التي من شأنها تضييق الهوة بين القوانين الوطنية بفعل تأثير حقوق الإنسان. وهي تحيل إلى المناقشات حول تراتبية المعايير، بين القواعد الدولية والقواعد الوطنية. وإعادة تنظيم السلطات تخص دور الدولة. وقد فقدت هذه الأخيرة مراقبة حدودها التي يعبرها الفاعلون الخواص، عدا العمال المهاجرين وطالبي اللجوء، بكل حرية وفق استراتيجيات هي من الآن فصاعدا استراتيجيات شمولية. وهي تفقد أيضا التحكم في القواعد القانونية، غير الملائمة للشبكات العابرة للأوطان (شبكات التجارة، لكن أيضا شبكات الجريمة المنظمة أو شبكات التواصل عبر الإنترنيت). والمناقشة حول « soft law»، حول العلاقة بين الإرادة الحسنة لمدونات حسن السلوك وإملاء السلطات العمومية لمعايير ملزِمة تثار من جديد مع المسئولية الاجتماعية والبيئية للمقاولات. والعولمة هي السبب في وجود أشكال جديدة لإفلات بعض وكلاء السوق الذين يغيِّرون ويزيدون من حدة الفساد الدولي من العقاب. فمن شأن مبدأ الحيطة واليقظة أن يؤسس مسئوليات جنائية دولية. وما تزال الحقوق الاستراتيجية للفترات السابقة، وهي حق الشعوب في تقرير المصير، وحق الأقليات، من مواضيع الساعة، لكن يجب فحصها على ضوء الوضعيات الجديدة. وقد تم طرح مسألة المسئولية المشتركة في القضايا الاقتصادية العالمية عدة مرات، وبمناسبة تدبير أزمة الدين على وجه الخصوص.
لا يمكن أن يتأسس القانون الدولي، كما أكدنا على ذلك في المنطلق، إلا على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة. فبهذا الشرط يمكن أن يكون القانون الدولي حاملا لحداثة جديدة. إذ من شأنه أن يمكِّن الحركات المطبوعة بروح المواطنة في كل بلد من تعبئة ذاتها لتحريك الوضعيات نحو الأمام. وعلى هذا النحو يمكن للمواطنين بهذه الوسيلة اللجوء إلى القضاء إذا ما انتهكت حقوقهم. وبإمكان الأمم المتحدة الانفتاح على تعقيد المجتمعات والاعتراف بالفاعلين الناشئين وإعطائهم الشرعية. ويمكنها تشجيع الدول على ضمان الحقوق وعلى تقوية مشروعيتها في نفس الوقت. وتلك هي القاعدة لإعادة تأسيس الأمم المتحدة.
المحور الاستراتيجي للدمقرطة
يقدم الخط الموجِّه للديمقراطية العالمية وللعقد الاجتماعي توجُّها ومنظورا لإعادة تأسيس المنظومة الدولية والأمم المتحدة. ونحن نقترح أن نأخذ بمثابة محور استراتيجي لتفعيلهم الحركات والنضالات من أجل دمقرطة العلاقات الدولية. ولن تتوجه كافة هذه الحركات تلقائيا نحو الديمقراطية العالمية. ففي كل واحدة من هذه الحركات هناك توجهات متعارضة، ويمكن أن تكون هذه الحركات متناقضة في ما بينها. إذ بالدفاع في كل واحدة من هذه الحركات عن المقترحات المتوافقة مع التوجهات وبجعلها تتقارب حول مشروع ديمقراطية عالمية، تكون هذه النضالات حاملة لإعادة تأسيس المنظومة الدولية. وبمقدار ما تكون مقترحات التحسين التي تدافع عنها الحركات غير قابلة ي حد ذاتها للاستيعاب أو راديكالية، فإن ما سيميزها هو الوضعية واندراجها ضمن مشروع. وبمقدار ما تكون الديمقراطية ليست نظاما مثاليا يجب تحديده ثم تطبيقه بعد ذلك، فإنها مسلسل لا يُختزل إلى كيفيات تطبيقه. والمقاربة ليست هي إذن بحث عن نموذج أمثل، وإنما هي مقاربة سيرورة تتشكل بكيفية دائمة؛ وهي سيرورة تسمح بربط الإعداد بالحركات، والتعبئة بالعمل الفكري، والنظريات بالممارسات الاجتماعية.
يمكن أن تكون النضالات من أجل دمقرطة المنظومة العالمية مندرجة ضمن مشروع الديمقراطية العالمية إن هي استندت إلى التناقضات الكبرى التي سبق توضيحها: الوقاية من الحروب وتسوية سلمية للنزاعات يقومان على احترام الحقوق الفردية والجماعية؛ والتفاوتات ما بين الشمال والجنوب الناجمة عن نظام السيطرة؛ والتمييزات والفوارق الاجتماعية؛ واحترام حقوق الأجيال القادمة والتفاوتات الإيكولوجية. ففي كل واحدة من هذه الحركات تفرض الإحالة إلى الأمم المتحدة ذاتها كأمر بديهي، وكل واحد من النضالات يحدد مقترحات لإصلاح الأمم المتحدة. وسنقوم بتوضيح تلك المقترحات في خمسة مجالات: النضالات والحركات من أجل القانون الدولي، من أجل إلغاء الدين، من أجل النظام الضريبي الدولي، من أجل المسئولية الاجتماعية والبيئية للمقاولات، من أجل إصلاح المؤسسات المالية الدولية. وسنتناول في هذا الجزء بعضا من الآفاق التي سبق التطرق إليها والتي ستمكن في الجزء الموالي من وضع الخطوط العريضة للإصلاحات المقترحة.
تولي النضالات من أجل دمقرطة المنظومة الدولية أهمية استراتيجية للقانون الدولي. وهي تساند خطوات تقدم القانون الدولي الذي يسير باتجاه ديمقراطية عالمية. وتدافع عن كونية الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتتصدى للمكانة المبالغ فيها المخولة في القانون الدولي لقانون الأعمال من خلال اتفاقيات منظمة التجارة العالمية. وتدافع عن المقترحات المقدمة من طرف لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة من أجل إمكانية اللجوء إلى القضاء بخصوص الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومن أجل لجوء الأفراد والمواطنين إلى الهيئات القضائية، الوطنية والدولية، للنظر في انتهاكات الحقوق. وهي تقترح كذلك تأسيس قانون دولي للهجرة، على أساس المساواة في الحقوق. ويشكل القبول بمنظومة دولية لرفع الدعاوى حجر عثرة هنا[10].
بسياتل سنة 1999، التزمت حركة العولمة البديلة حول فكرة واضحة مفادها أنه لا يمكن أن يكون القانون الدولي خاضعا لقانون الأعمال. وقد كانت منظمة التجارة العالمية، التي تم إحداثها بمراكش سنة 1994، قد أكدت منذ البداية أنها لا تربطها أية صلة بالأمم المتحدة، وبأنها لم تكن ملزمة بنصوص الأمم المتحدة. فكان الأمر استثنائيا، خصوصا وأن كافة أعضاء منظمة التجارة العالمية، مع استثناء واحد أو اثنين، كانوا أيضا أعضاء في منظمة الأمم المتحدة وكانوا إذن ملزمين، باعتبارهم دولا باحترام الوثائق التي وقعوها وصادقوا عليها[11].
قدمت المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة[12]، اعتمادا على مقترحات خبراء ومنظمات غير حكومية مختلفة، عدة مقترحات لتشجيع الدول على إدماج الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في توجهاتها الاستراتيجية، والتأكد من مدى توافق القرارات والوثائق الاستراتيجية مع احترام الحقوق وعلى تشجيع المقاربة اعتمادا على الحقوق، وإخضاع كافة الاتفاقيات الدولية بكيفية ممنهجة لمراقبة برلمانية ولنقاش المواطنين في كل البلدان المعنية، وإلزام المؤسسات الدولية، مهما كانت طبيعتها، باحترام العهود والاتفاقيات الدولية، وضمان المساواة في الحصول على الخدمات الجماعية الأساسية.
تتعلق النضالات من أجل الدمقرطة بإلغاء الدين، كشرط مسبق لأية سياسة لتمويل التنمية. فتدبير أزمة الدين استخدمته البلدان السائدة لإخضاع دول الجنوب ووضع حد لآمالها التي تولدت عن تصفية الاستعمار. وقد آن الأوان لنقبل أن مواصلة هذه السياسة التي لا تطاق أمر يعرض اليوم السلم العالمية للخطر. وقد بينت الحملة من أجل إلغاء الدين، التي بلغت ذروتها باليوبيلي 2000، أن وعي الرأي العام بذلك، في الشمال كما في الجنوب، يزداد أكثر فأكثر. وليست هناك مخاطر كبرى في إلغاء الدين، فالحلول التقنية والاقتصادية معروفة والمسألة هي مسألة اختيار سياسي. ومن شأن إلغاء الدين، من وجهة نظر الاقتصاد العالمي، أن يعطي انطلاقة جديدة للنشاط في المناطق التي مستها الأزمات المالية والنقدية. لكن يجب أن يندرج هذا الإلغاء بكيفية مطلقة في منظور إصلاح للمنظومة الدولية الذي تولد عنه الدين. ومن الممكن أن تؤثر التعبئة العالمية المطبوعة بروح المواطنة على تقدم القانون الدولي. فهناك إمكانيات حقيقية من وجهة نظر التصورات ومن وجهة نظر السياسات المباشرة على حد سواء. وهي تخص في مرحلة أولى إلغاء مخزون الدين بالنسبة للبلدان الأكثر فقرا و«امتصاص تضخم» خدمة الدين، على أساس معايير اجتماعية، بالنسبة للبلدان الوسيطة.
تمكِّن الإحالة إلى القانون الدولي من تحقيق تسوية منصفة لمسألة الدين وقد تُجنِّب من عودة الدين من جديد بعد إلغائه. إذ أن من شأن رفض الإفلات من العقاب أن يمكِّن من استرداد الموجودات بالخارج المتحصل عليها من الاختلاسات ومن الرشوة. ومن شأن المسئولية المشتركة للمقرضين والمُقترضين أن تمكن من مناقشة مشروعية الديون أمام هيئات قضائية مختصة. وينبغي أن تقيِّم هيئات للنقض مسئولية تطور نِسب الصرف ونسب الفائدة وعواقبها على الدين. فقد يكون من الممكن على هذا النحو، اعتبارا للمبالغ التي سبق تسديدها، تقدير المبلغ المتبقي، والواجب تسديده احتمالا. ومن شأن إلغاء الدين أن يرسم على هذا النحو بكيفية مسبقة وضع النظام الاقتصادي المبني على القانون الدولي. ومنهج النظر إلى كل حالة على حدة الذي يقابل بلدا فقيرا ومديونا بمجموع البلدان الغنية الدائنة هو منهج مبالغ فيه من وجهة نظر القانون والعدالة. لذلك تنبغي الدعوة لعقد مؤتمر للأمم المتحدة من أجل المناقشة الشمولية للدين والقانون الدولي للمديونية وإصلاح المؤسسات المالية الدولية.
تتعلق النضالات من أجل الدمقرطة بالنظام الضريبي الدولي. وينتج هذا النظام الضريبي الدولي عن ضرورة ثلاثية: التمكين من تعويض إعادة التوزيع المكثف للفقراء نحو الأغنياء الذي يميز العولمة في أيامنا هذه، الحصول على الموارد الضرورية لتمويل التنمية، محاربة التوطينات الخارجية السلبية لتنظيم المنظومة الدولية (المضاربة المالية، الحدود الإيكولوجية، بيع الأسلحة، اجتذاب الأدمغة، الخ.). والنظام الضريبي الدولي لا يكفي بذاته لحل كافة المشاكل، لكنه يندرج في إطار إعادة توجيه أسس المنظونة الدولية: تمويل الممتلكات العمومية العالمية، المحافظة على الممتلكات العمومية المشتركة وتنميتها، محاربة «الإغراق الاجتماعي» و«الإغراق الضريبي»، إحلال إعادة للتوزيع تقوم على الحقوق محل الرؤية الخيرية ل «مساعدة الأغنياء للفقراء،»، تمويل ميزانيات السلطات العمومية والمؤسسات الدولية. وتجدر الإشارة إلى أن النظام الضريبي يبتعد جزئيا، بفضل حركة العولمة البديلة جزئيا وبفضل "أطاك" على وجه الخصوص، يبتعد تدريجيا عن حقل الرؤية المثالية. فهناك دراسات ومقترحات جارية تقدم نسبا وتقترح تدابير قابلة للتطبيق. وبإمكاننا الرجوع إلى أعمال مختلفة لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية ولمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، كما يمكننا الرجوع إلى تقييمات البرلمانات البلجيكي والكندي والإنجليزي، الخ. وتقدر دراسة أنجزتها جمعية "أطاك" مجموع المكوس المقترحة حاليا في مختلف المؤتمرات العالمية ب 694 مليار دولار. يتعلق الأمر بالمكوس على المعاملات المالية قصيرة الأمد (تمخض ذلك عن تعديل مقترحات توبين Tobin)، وبمكس موحَّد على أرباح الألف أكبر مقاولة متعددة الجنسيات، وبمكس على الاستثمارات الخارجية التي لا تقابل سوى عمليات إعادة شراء وليس إحداث قدرات إنتاجية، وبضريبة على كبريات الثروات، وبمكوس إيكولوجية (انبعاث الكربون، البلوتونيون والنفايات النووية، النقل الجوي)، وبمكوس على بيع الأسلحة ونهب الأدمغة وحماية الممتلكات. وشروط نظام ضريبي دولي مرتبط بملاءمة السياسات الضريبية الوطنية هي شروط سياسية أولا وقبل كل شيء. إنه نظام يقتضي إرادة محاربة الجنات الضريبية والإجرام المالي وتحديد أطر التقييم والمراقبة المقابلة لذلك. وهي واحدة من العناصر الأساسية لإصلاح الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية التي تكونها.
تؤكد النضالات من أجل الدمقرطة على مراقبة السلطة الاقتصادية وبصفة خاصة الشركات متعددة الجنسيات التي تعتبر بمثابة الفاعلين الأساسيين في الحداثة التي تحملها العولمة الليبرالية. فهي ترفض عقيدة تحرير السوق القائمة على عمليات خوصصة تقود إلى ظهور أقطاب أقليات محتكِرة ذات قوة مفرطة تستعصي على أية مراقبة. إنها ترفض القوة المفرطة للأسواق المالية ومنطقها المدمر، وتدافع على احترام الحقوق والديمقراطية في المقاولات. فهي ترى أن المسئولية الاجتماعية للمقاولات لا يمكن أن تقوم على إرادة مسيري المقاولات وإنما يجب أن تقوم على تقنين محدَّد من لدن السياسات العمومية وتسهر على تطبيقه هيئات للضبط العمومي.
المقترحات كثيرة من خلال مختلف الحملات. ولنبرز أولا المواضيع الأربعة التي مهدت لترسيخ قانون الشغل في القانون الدولي: الحرية النقابية والجمعوية، ومحاربة التمييزات، ومنع السخرة، ومنع تشغيل الأطفال. وتتميز هذه الحملة بإحراز تقدمين، هما تقديم منظمة العمل الدولية[13] باعتبارها إحدى المراجع بالنسبة للمؤسسات الدولية وبديلا من حيث أهدافها وكيفياتها عن منظمة التجارة العالمية من جهة؛ وتعبئة المنظمات النقابية، باعتبارها مكونة من مكونات حركة العولمة البديلة، التي ما تزال محتشمة بالتأكيد وتدافع بعضها عن توجهات قابلة للنقاش، من جهة أخرى.
النقاش حول المسئولية الاجتماعية والبيئية للشركات هو جبهة جديدة تعرف غليانا كبيرا، فتحتها الانتقادات بضرورة مزدوجة: إدراج كل واحد من مقترحات الدمقرطة هذه في منظور للديمقراطية العالمية؛ وإدراج كل واحدة من جبهات النضال من أجل الديمقراطية في إطار تحالف أوسع من أجل إعادة بناء المنظومة الدولية. وهي الانتقادات التي توجهها الحركة الجمعوية والنقابية لكبريات المقاولات، والتي تحاول اليوم هذه الأخيرة احتواءها من خلال منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ومجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة. فلْـنُـلخص الأمور، لتبيان رهانات الموقف حول العهد الشامل Global Compact وهو عهد اقترحته الأمم المتحدة على كبريات المقاولات، وجمعيات بالقمة المضادة التي انعقدت بنيويورك سنة 2004. إننا ندعو الأمم المتحدة إلى إدراج مسئولية المقاولات في إطار قانوني وملزِم... فالعهد يؤثر سلبا على الأمم المتحدة ويضعف مؤسساتها (برنامج الأمم المتحدة للتنمية، اليونسيف، المنظمة العالمية للصحة، صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة[14])... العهد يحوِّل وجهة الحكومات والأمم المتحدة ويثنيها عن مواجهة تقنين "المسئولية الاجتماعية والبيئية للمقاولات"... فشركات طوطال وشال وريو تينيو ونيستلي و بريتيش بيتروليوم تنتفع من العهد لكنها تنتهك مبادئه. والعهد غطاء للعلاقات العمومية... نحن ممثلو منظمات غير حكومية عدة نؤمن بضرورة الأمم المتحدة، قوية ومموَّلة من طرف الحكومات... وبدلا من تنمية القيم الاجتماعية في السوق، يقوم العهد الشامل بإدخال الطابع التجاري في الأمم المتحدة. والأمم المتحدة هي وحدها التي تعطي الإطار الشرعي لصياغة القواعد والمعايير في ما يتعلق ب "المسئولية الاجتماعية والبيئية للمقاولات". وقد اعتمدت اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في غشت 2003 «معايير بخصوص مسئوليات المقاولات متعددة الجنسيات ومقاولات تجارية أخرى إزاء حقوق الإنسان». فهذه المعايير تعيد تحديد مبادئ القانون الدولي المطبقة على المعاملات في مجال حقوق الإنسان والقانون الإنساني والقانون الدولي للشغل وقانون البيئة وقانون المستهلكين والقانون المناهض للرشوة... وهذه القوانين لا تقلص مسئولية الحكومات، فهي تطبَّق من طرف الحكومات... تدعو المنظمات غير الحكومية الأمين العام للأمم المتحدة إلى تنظيم مؤتمر دولي حول تفعيل هذه المعايير؛ وتطوير العهد الشامل Global Compact في هذا المنحى أو حذفه». والقانون الدولي يتقدم كذلك من خلال عمل الجمعيات؛ ولنأخذ مثال محاكم الرأي، وبصفة خاصة مثال المحكمة الدائمة لحقوق الشعوب التي استكشفت منذ تصفية الاستعمار المسالك التي تطرقها اليوم المؤسسات الدولية. وهكذا صاغت دورة المحكمة الدائمة لحقوق الشعوب، بعد الكارثة الصناعية لبوبّال مبادئ بوبال العشر حول مسئولية المقاولات التي تُستخدم بمثابة مراجع من طرف الجمعيات الإيكولوجية وجمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان وجمعيات التضامن الدولي.
تتعلق النضالات من أجل الدمقرطة بالمؤسسات المالية الدولية، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي[15]. حيث يجب إعادة تحديد المؤسسات المالية الدولية ومنظمة التجارة العالمية، مع الاختلال المخجل بين الشمال، أي القوى الاستعمارية القديمة، والجنوب، بشكل تام. فهناك حاجة بالتأكيد إلى أن تكون هناك مؤسسات مالية دولية لتعمل في إطار الديمومة، لكن من الصعب الوثوق في توجهات المؤسسات الحالية وتسييرها. فنحن ننتظر بصفة خاصة من هذه المؤسسات استقرار النظام النقدي والوقاية من الأزمات المالية من جهة، ونظاما ماليا يشجع التنمية التي تحترم حقوق الإنسان من جهة أخرى. سيما وأن هذاتين المؤسستين شيدتا هيمنتهما استنادا إلى فكر التنمية وتمكنتا من استخدام هذا الاستثمار الفكري لترسيخ سلطتهما. ويمكن أن ننتظر منهما كذلك، على أقل تقدير، أن تشتغلا بكيفية ديمقراطية. وفي مؤسسات بريتون وودز المسئولية المباشرة يتحملها المساهمون، وبصفة أخص المساهمون الذين يمتلكون أغلبية الأسهم، للبلدان الأكثر غنى الذين تضمهم منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. ويتعلق الأمر بحصر اختصاصات هذه المؤسسات في المهمة المنوطة بها ورفض منحها دور الوصاية على البلدان الفقيرة الذي خولته لها البلدان الغنية، من طرف الكتلة ذات أغلبية الأسهم في الاقتصاد العالمي الذين يسيرون اليوم هذه المؤسسات. ويتعلق الأمر كذلك بإدماجها في منظومة الأمم المتحدة التي تتمتع بمزية مزدوجة على مستوى مبادئها المتمثلة في ألا تقوم على اقتراع دافعي الضرائب (دولار، صوت) وفي أن يكون الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة بمثابة الميثاق المؤسس لها. ويتمثل الإجراء الأول الذي يمكن أن نقترحه لإصلاح المؤسسات الدولية في إخضاع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لتقييم سياساتهما وتسييرهما. ويجب أن يُعهد بهذا التقييم العمومي والحضوري إلى هيئة مستقلة في منظومة الأمم المتحدة. ومن شأن إمكانية لجوء الأطراف المعنية وممثلي البرلمانات وقطاعات المجتمع المدني الأخرى إلى هذه الهيئة أن تشكل خطوة مهمة إلى الأمام في دمقرطة المنظومة الدولية. فالخط الموجه للحقوق يجدد مقاربة التقييمات، ويعطيها إطارا مشتركا للتماسك في ما بينها. ويجب القيام بهذا التقييم مع أخذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بمثابة مرجع. حيث لا يكون بإمكان المؤسسات الدولية، سواء منها صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي والمؤسسات الإقليمية، كما هو الشأن بالنسبة لكافة المؤسسات الدولية، أن تتغاضى عن احترام الحقوق. فالإعلان العالمي هو إعلان كوني، يربط الدول التي صادقت عليه في أعمالها الخاصة وفي مسئولياتها باعتبارها مساهِمة أو أعضاء في المؤسسات الدولية. إذ لا يمكن لأية هيئة دولية أن تحتمي بنظامها الداخلي لتعتبر نفسها وكأنها في حل من احترام الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها أعضاؤها. ومثل هذا المنظور الذي نسميه إصلاحا جذريا هو ما يمكن أن يعتبر بالضبط بمثابة نداء يدعو إلى تفكيك المؤسسات المالية الدولية الحالية. ويبدو لنا أنه من المهم مع ذلك أن نحدد منذ البداية صنف المؤسسات التي نريدها. فخطر الاكتفاء بالدعوة إلى اختفاء المؤسسات الحالية وتأجيل المقترحات إلى وقت لاحق يمكن أن يقودنا إلى تحالفات قد يستفيد منها أولا وقبل كل شيء المدافعون عن إزالة قوانين الضبط الليبراليون الجدد.
الإصلاح الجذري لمنظومة الأمم المتحدة
النقاش والمواقف المتباينة بشأن إصلاحات الأمم المتحدة ليست أمورا جديدة. فالنقاش بشأن إصلاح المؤسسات الدولية ابتدأ مع وجود تلك المؤسسات. وقد تعرضت الأمم المتحد للانتقاد في الكثير من الأحيان من طرف اؤلئك الذين يعتبرونها مجرد أدوات بين أيدي البلدان السائدة، والولايات المتحدة منها على وجه الخصوص، ومن طرف الولايات المتحد التي تعتبرها في آن واحد مستقلة أكثر مما ينبغي وغير فعالة إلى حد كبير.
يعتبر المدافعون عن النزعة أحادية الجانب في الولايات المتحدة الأمريكية، الذين يتمتعون بقوة كبيرة في الكونغرس وفي إدارة بوش، بأنه يجب تهميش الأمم المتحدة وإفراغها من أي محتوى وأن تحوَّل إلى مجرد غرفة لتسجيل مواقفهم. فمؤسساتهم المرجعية هي منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ومجموعة الثمانية، وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية ومنظمة حلف شمال الأطلسي. وحتى بالنسبة لهذه المؤسسات، فإنهم يعتبرون بعدم ثقة كبرى نزعة تعددية الأطراف، ويفضلون تطوير اتفاقيات ثنائية، مثل تلك التي تربط الاتفاقات التجارية مثلا مع الاستثناء القانوني بالنسبة للمواطنين الأمريكيين. وهم يمارسون بكيفية ممنهجة الابتزاز باللجوء إلى الكرسي الفارغ والمقاطعة، على نحو ما قاموا بذلك خلال سنوات بالنسبة لليونسكو التي تجرأت على التساؤل بخصوص نظام دولي جديد للإعلام. وقد امتدت الانتقادات الأمريكية إلى المؤسسات المالية الدولية التي بقيت في منأى عن ذلك حتى ذلك الحين. فهي لا تحتمل أن تتمكن تلك المؤسسات من التساؤل، بخجل، حول اختلالات السوق ودور الدولة والسياسات الاجتماعية. وقد اقترح ميلتون فريدمان، في حوار بالتليفزيون في يونيو 1998، بكامل البساطة، حذفها والاعتماد مباشرة على ضبط الأسواق. ويضيف جورج شولتس، وزير المالية الأمريكي سابقا، بأن «صندوق النقد الدولي غير فعال ومتجاوز وغير ذي فائدة». وقد وجدت هذه المقترحات صدى لها في تقرير ميلزر الذي أنجز بمبادرة من مجلس الشيوخ الأمريكي.
يقف المدافعون على الاحتفاظ بمؤسسات الأمم المتحدة، مع تعديلات طفيفية موقفا دفاعيا. وكرد فعل على هجمات النزعة أحادية الجانب، يدافع البعض، خصوصا بأوربا وفي بلدان الجنوب، عن الفكرة القائلة بأنه ما دامت هذه المؤسسات تتعرض للهجوم، فإنه يجب الدفاع عنها للإبقاء على شكل من أشكال الضبط. فهم يعتبرون أن التعديلات الدنيا وحدها ممكنة وأنه يجب الاحتفاظ بأي ثمن بالولايات المتحدة في المؤسسات. ومن تم انخرطوا في مفاوضة دائمة مع الولايات المتحدة، ساعين إلى إرضائها إلى أقصى حد مع حفظ دم وجه الأمم المتحدة. وهم يأملون في بروز موقف أقل انعزالية وأقل أحادية بالولايات المتحدة في نهاية الأمر.
المدافعون عن إصلاح جذري هم أكثر تصميما، بالرغم من المخاطر. وهذه الفكرة يدافع عنها كل اؤلئك الذين يعتبرون بأن هيئة عالمية ضرورية أكثر من أي وقت مضى، لكنهم يعتبرون كذلك أنه ليس بإمكان الأمم المتحدة أن تلعب هذا الدور إلا إذا تم تحويلها بكيفية عميقة لتتكيف مع الوضعية الجديدة ومع رهانات المرحلة ومع أهداف جديدة. وهناك نقاش يخترق اؤلئك الذين يعتبرون أن الأمم المتحدة غير قابلة للإصلاح وأنه يجب إذن القيام ببنائها من جديد، كموريس برتراند مثلا، واؤلئك الذين يعتقدون بأنه تجب الدعوة بإلحاح للقيام بإصلاح جذري، ومنهم مثلا مونيك شوميليي-جوندرو وريشار فالك[16]. وأرضية المقترحات التي يدافع عنها هؤلاء واؤلئك متقاربة بما فيه الكفاية. والخلافات تتعلق بالمنهج ولا تبدو لي أساسية. فهل يمكننا القول، انطلاقا من عدد معين من الإصلاحات الجذرية، بأننا نوجد في نفس المنظومة؟ وكيف نتوصل، على وجه الخصوص، إلى فرض إصلاحات جذرية؟
يمكن تنظيم أرضية الإصلاحات الجذرية حول عدد معين من المقترحات، انطلاقا من تلك التي تم قبولها ومناقشتها على أوسع نطاق.
دمقرطة تسيير المؤسسات التي يجب أن تفعِّل الضبط الدولي. يتعلق الأمر بداية بالإلحاح على الشفافية والمراقبة ومشاركة كافة البلدان في اتخاذ القرارات كقاعدة ضرورية لتسيير جميع المؤسسات الدولية. ويمكن في مرحلة أولى إصلاح منظمة الأمم المتحدة لتكون أكثر ديمقراطية وأكثر فعالية، انطلاقا من تغيير تكوين مجلس الأمن ومن إحداث مجلس أمن اقتصادي واجتماعي.
وضع أدوات الضبط الذي يقتضي قلب التوجهات السائدة في النظام الاقتصادي والاجتماعي حول الأولوية التي تعطى للسوق العالمية. ومن شأن أنظمة الضبط أن تهدف إلى تشجيع الاكتفاء الذاتي لكل بلد بواسطة إجراءات متعددة الأطراف متفاوض بشأنها؛ وإلى إلغاء الدين؛ واستبعاد المكونات القانونية والاجتماعية والضريبية والإيكولوجية من الامتيازات المقارَنة، بفضل ملاءمة عالمية لقوانين الأعمال والقواعد الاجتماعية والنظام الضريبي والإكراهات البيئية، بكيفية يتم معها تقليص الإغراق ومنافسة الدول لاجتذاب المقاولات ومنع المقاولات من استغلال الفوائد المتغيرة؛ وإلى محاربة المضاربة المالية قصيرة الأمد بمنع الجنات الضريبية ومنع شركات الأوف شور؛ وحصر بورصات القيم في تمويل الاقتصاد بالحد من تأثير صناديق المضاربات وانزلاق صناديق التقاعد والمستثمرين المؤسساتيين؛ وإلى مراقبة المضاربة على المواد الأولية ووضع نظام لضمان الأسعار؛ وإلى إقامة نظام ضريبي دولي من أجل إعادة توزيع الثروات العالمية.
إحداث هيئات فعالة للتحكيم والطعن. ومن شأن هيئات التحكيم هذه أن تتعلق على حد سواء بالضبط الاقتصادي والاجتماعي، والوقاية من النزاعات وتسويتها في التدخلات الإنسانية والأمنية والمحافظة على السلم. ويتعلق الأمر بتحديد نظام دولي للدعاوى مفتوح أمام تبليغات الجمعيات المطبوعة بروح المواطنة؛ وبتحديد هيئات للطعن وتحديد الاختصاصات الكونية للمحاكم الوطنية، وتحديد كيفيات وحدود عولمة القضاة. وتتمثل الأولوية في وضع محاربة الإفلات من العقاب في صلب المنظومة الدولية. ويمكن تأسيس المنظومة الدولية للتدخل في تسوية النزاعات على مبدإ الاستدراك مع مراعاة سيادة الشعوب. وبالإمكان كذلك أن نمنح للجنة حقوق الإنسان صلاحيات مجلس لمراقبة احترام الحقوق. ويجب أن يكون إحداث هيئات للتحكيم بين الدول، والمجموعات متعددة الجنسيات، والجمعيات المواطنة المختصة في الجرائم المالية والرشوة مصاحبا بتفويض سلطات إنزال العقوبات إلى هيئات تحكيم بعض الوكالات، كمنظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية، الخ. مثلا.
الإدماج الفعلي للمؤسسات المالية والتجارية الدولية، وهي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وشركة التمويل الدولية ومنظمة التجارة العالمية. في المنظومة المباشرة للأمم المتحدة، وهناك مقترح رمزي قد يتمثل في انتخاب مسئولي هذه المؤسسات، وخصوصا رئيس البنك الدولي والمدير العام لصندوق النقد الدولي من طرف الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة. ويتعلق الأمر على وجه الخصوص بإعادة تنظيم أنظمة اتخاذ القرارات وحقوق التصويت بإحداث توازن في المساهمات بين البلدان؛ وبإرجاع تدخلات كل مؤسسة إلى مهامها الخاصة وإعمال إقليميتها الفعلية؛ وبضمان الشفافية، وذلك بجعل عمليات التصويت والمواقف المعبر عنها علنية وبإخضاع كافة القرارات والسياسات للمراقبة البرلمانية ولمواطني البلدان المعنية. كما يجب أن تُلزم جميع المؤسسات الدولية باحترام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات والمواثيق الدولية. ويجب إخضاع سياسات تلك المؤسسات لتقييم عمومي مستقل وحضوري تقوم به هيئة مستقلة.
إدراج إصلاح الأمم المتحدة في منظور دستور جديد للعالم. ينبغي أن تتم مناقشة الميثاق من جديد حول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يؤسس مشروعية الأمم المتحدة، وبخصوص دور الأمم المتحدة الذي يجب أن يتمثل الهدف منها في المساعدة على تغيير العالم بدلا من العمل على إعادة إنتاجه. فالنقاش ينصب على طبيعة سيادة الدولة ودورها، وعلى العلاقات بين السلطات الاقتصادية والسلطات السياسية وسلطات المواطِنين في التنظيم الجديد للعالم. سيما وأن ازدهار المجال العابر للأوطان يقوي الدول أكثر مما يعلن عن العهد «ما بعد الوطني»[17]. ويقدم ريشار فالك، الذي يقترح مفهوم «الوضع السياسي للإنسانية»، مقترح دستورية عالمية. إذ ينبغي إقامة هندسة جديدة على مجموعات إقليمية للتعاون، ونظام للتمثيل الإقليمي على المستوى العالمي، ومجلس أمن اقتصادي وعسكري في آن واحد، يتم تصوره بمثابة فضاء ذي مصداقية للمفاوضات بالنسبة للقوى العظمى والمجموعات الإقليمية. وقد يكون بالإمكان إعادة تنظيم مختلف مؤسسات منظومة الأمم المتحدة انطلاقا من إحداث وكالات إقليمية ولجان مختصة. ولْنشر هنا إلى مقترح جريء للغاية تقدم به موريس برتراند يتمثل في ألا تُقبل بمنظمة الأمم المتحدة سوى الحكومات التي تقبل مبادئ وكيفيات التقييم والمراقبة.
كيف يمكن إنجاح هذه الإصلاحات؟ يذكِّر المدافعون عن الجيل الثالث، الذين يرون وجوب إعادة بناء الأمم المتحدة، بأن الجيل الأول أُنشأ في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وهو عصبة الأمم la SDN، وبعد ذلك أُنشأ الجيل الثاني الذي هو منظمة الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية. ويمكن أن نقدم فرضية متفائلة تتمثل في أننا نعيش في فترة تحولات كبرى، خصوصا بعد سقوط جدار برلين، ستتمخض عن نزاعات، لكنها لن تأخذ بالضرورة شكل حرب عالمية. ولكي تكون هناك إمكانية لتحقيق إصلاحات جذرية، ينبغي أن تتولاها قوى سياسية واجتماعية.
ما هي إذن القوى الاجتماعية والسياسية التي قد يكون بإمكانها أن تقود إصلاحا جذريا للأمم المتحدة؟ سنستعرض بسرعة المساهمات من داخل النظام وال «think tank» المنخرطين في المعارك الفكرية، والرأي العام، وأحلاف الدول، وحركة العولمة البديلة وتحالافاتها.
يجب ألا نهمل مساهمات اؤلئك الذين تُحركهم من داخل النظام أخلاق القناعة، والحريصين على اقتراح حلول للمآزق التي يعيشونها. لكن يجب ألا ننسى بأن المؤسسات الدولية هي مؤسساتٌ ما بين الدول. فالمسؤولية الأولى تقع إذن على عاتق الدول الأعضاء. وللمؤسسات الدولية أيضا استقلال ذاتي معين. فهي تشكل ما يمكن أن ننعته، بالمعنى البليغ للكلمة، بالبيروقاطية؛ أي فئة اجتماعية تظهر لتدبير النزاعات عندما تكون هذه الأخيرة خطيرة للغاية ومن شأنها أن تعرض وجود المجتمع ذاته للخطر. وهذه البيروقراطية تنزع بطبيعة الحال، عندما تخول لنفسها احتكار الكلمة التقنية، إلى ممارسة سلطتها بكيفية مستقلة. ومن المؤكد اليوم أن المجتمع العالمي في خطر جسيم وبأن الفوارق الاجتماعية والجيو- سياسية لم تعد محتملة. ولذلك، إذا كانت بعض الهيئات حريصة على المصلحة العامة وعلى الإصغاء لحركات الدمقرطة، فإنه لا شيء في المؤسسات الدولية، وخصوصا في المؤسسات المالية الدولية، يميز سياساتها عن المصالح الآنية للبلدان الأكثر غنى والأكثر قوة. إن الإصلاح الجذري ضروري؛ ولا يمكن أن يأتي من داخل هذه المؤسسات، حتى وإن كان بإمكانه أن يجد سندا داخليا.
المعركة الفكرية معركة أساسية؛ وهي حاسمة في المعارك السياسية بالرغم من أن ذلك يتم وفق أزمنة مختلفة. وإعادة تأسيس المنظومة الدولية تتطلب تعبأة الكفاءات والخبرات، خصوصا إذا كنا نهدف في نفس الوقت إلى إعادة النظر في المبادئ الأساسية وإلى تحقيق فعالية فورية. فهناك عدة حلقات منكبة على هذه المهمة. ولْنذكر على سبيل المثال "مؤسسة تقدم الإنسان" التي تعمل منذ عدة سنوات على الحكامة العالمية والتي تطمح إلى إحداث أقطاب مرجعية و«think tank» يتمثل الهدف منها في إعداد فكر آخر مع أخذ الممارسات والتجارب بعين الاعتبار[18]. ولإعداد هذه المقترحات والتأكد منها ونشرها، تتوفر هذه الحلقات على عدة إمكانيات تكميلية هي: اللجوء إلى الرأي العام، والتشكل في «لوبي» من أجل الضغط على الحكومات، والتدخل بكيفية مباشرة أو غير مباشرة في الحقل السياسي، والارتباط بحركات اجتماعية ومواطِنة قادرة على التدخل بواسطة تعبئتها.
يطرح اللجوء إلى الرأي مسألة وجود رأي عام عالمي. ومسألة الرأي العام العالمي لا تشمل مسألة مجموعة عالمية إلا بكيفية جزئية للغاية. والنقاشات مفتوحة من وجهة النظر هذه. فكيف تُمزج وحدة وتنوع الوضعيات، وكيف تُحدَّد المسئولية المشتركة المتنوعة؟ هل يمكن بناء آفاق ومتخيَّل جديد، بالانطلاق مما يجب القيام به وليس مما توجد النخب على استعداد للقيام به؟ هل يمكننا الحديث عن ملك مشترك كوني في غياب مجموعة سياسية؛ وهل يجب تشييد الاثنين في نفس الوقت؟ كيف نحدد المصلحة العمومية العالمية والصالح العام العالمي؛ وهل يمكن تفعيل المبدإ وتحديده بدقة بواسطة معايير مشتركة، مفهوم تراث الإنسانية المشترك (اتفاقية حول قانون البحار)، مفهوم مجموعة بني الإنسان بما في ذلك الأجيال القادمة (نموذج إيكولوجي). ما هي الأدوات القانونية التي تقابل ما هو كوني؟ والمجتمع الدولي يشتغل بالعقد الذي يعيد إنتاج علاقة القوى؛ والعقد أداة للتدبير وليست أداة للعدالة، فهي لا تُـلزم سوى الأطراف المتعاقدة. وبالنسبة للمبادلات العالمية ولإطار ما بين الدول، ما هو المعنى الذي يمكن أن تكتسيه مقترحات مجتمع مدني عالمي، وضمير كوني ومواطنة عالمية. من أجل العودة إلى سؤال أساسي طرحه كانط، هل يمكن أن تكون البشرية موضوعا لتاريخها الخاص؟
هل يمكن الاستناد إلى رأي عام عالمي مقتنع بضرورة وجود حكامة عالمية مشروعة وديمقراطية وفعالة، بالرغم من لا مبالاة الرأي العام المؤسَّس، ووسائل الإعلام بصفة خاصة؟ ما زال بناء رأي عام عالمي يتعلق بفرضيات. وفي الواقع فإن الرأي العام يشتغل على المستوى الوطني بصفة خاصة. لكن، هناك عوامل جديدة. فهناك وعي في كل رأي عام وطني بأهمية العولمة وبتأثيراتها وببروز تيار العولمة البديلة. ويجب التأكيد كذلك على وجود نوع من التقارب بين الآراء العامة الوطنية بفعل الدعامات المُعولََمة (التلفزيونات، الإنترنيت، الخ.) والجسور التي تشكلت بفعل حركات الهجرة والشتات والشبكات العابرة للأوطان، الخ. كما يجب التأكيد بصفة خاصة على الصعود القوي للرأي العام في بلدان الجنوب، المرتبط جزئيا بالنجاح الذي حققته حركة العولمة البديلة. وهكذا فإن قرار دول إفريقيا الجنوبية والبرازيل والهند بمقاومة منظمة التجارة العالمية وذلك بإعطاء الأولوية للحق في الصحة على قانون الأعمال يشكل قفزة نوعية هائلة. فتعبئة الرأي العام يقوم على الحوار والالتزام المفعم بروح المواطنة؛ وتقوم في هذه التعبئة الجمعيات والأشكال المنظمة للمجتمعات المدنية ووسائل الإعلام بدور خاص. وهي تقتضي عناية خاصة بمختلف أشكال تدخل الحركات الجمعوية في المنظومة العالمية وبالكيفية التي تتناول بها وسائل الإعلام الدولية قضية حقوق الإنسان.
تطور ميزان القوى الجيو- سياسية بين تحالفات الدولة مرحلة حتمية. وبما أن المنظومة الدولية تعرَّف أساسا باعتبارها إطارا بين الدول فإننا نتساءل ما هي إمكانيات تطور العلاقات بين الدول؟ إذ أن التناقضات الجيو- سياسية من وجهة النظر هذه مهمة.
تحتل الولايات المتحدة موقع مهيمنا وأحادي الجانب؛ وقد يؤدي تغيير الأغلبية إلى تغيير الكيفيات، لكنه لن يؤدي إلى تغيير جوهري لهذا التوجه. وحتى لو كان هذا التوجه مصحوبا بإعلان مبادئ متعدد الأطراف، فإن الأمر قد يتعلق على الأرجح بتعددية أطراف إمبريالية تحت مراقبة الولايات المتحدة. وقد يكون بإمكان الاتحاد الأوربي أن يلعب دورا مستقلا. فمساهمته في التعاون في التنمية تفوق بكثير كافة المساهمات الأخرى؛ وهو يتوفر على ضِعف أسهم الولايات المتحدة في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. لكن أوربا تندرج ضمن العولمة الليبرالية الجديدة، وتعد واحدة من دعائمها، وواحدة من ناقلاتها. والاتحاد الأوربي هو «المناصر» الرئيسي لمنظمة التجارة العالمية؛ فهو يشاركها فلسفتها ويجد فيها فضاء لتسوية خلافاته مع الولايات المتحدة وتحديد توافق بخصوص تدبير الاقتصاد العالمي. وليست هناك وحدة أوربية حول هذه القضايا، ولا يوجد مشروع أوربي لتعاون أوربي مستقل يقوم على احترام حقوق الإنسان وتوازن أكثر عدلا بين الشمال والجنوب. وروسيا واليابان غارقان في مشاكلهما الداخلية، إذ لا يمكنهما أن يلعبا دورا آخر غير دور الدعم بحسب ما تقتضيه الأوضاع. وتظل مجموعة الثمانية فضاء لتسوية التناقضات الداخلية للقوى السائدة، باعتبار أن اللجوء إلى الأمم المتحدة يبقى خاضعا لنقاشاتها الداخلية.
دول الجنوب في مجموعها شديدة التعلق بمنظومة الأمم المتحدة، وهي تشعر بالارتياح في مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أكثر من ارتياحها في منظمة التجارة العالمية. وقد أكدت بلدان الجنوب، خصوصا منها تلك التي تتمتع بوزن جيو- سياسي حاسم، وهي البرازيل والهند وجنوب إفريقيا والصين، إرادتها في التأثير بقوة على إعادة ترتيب المشهد العالمي. حيث قامت كل من الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا برسم الخطوط الأولى لمجموعة الثلاثة بعدة اتفاقيات بين الميركوسور (السوق المشتركة لدول أمريكا اللاتينية) وجنوب إفريقيا سنة 1998 وبين الهند والميركوسور سنة 2003. وتسعى كل من الصين وروسيا إلى عقد اتفاقيات في ما بينهما. وقد أصبحت الصين المستورد الثاني من البرازيل، بنمو في الصادرات بلغ 365 % في ظرف ثلاث سنوات.
تضم أمانة مجموعة العشرين[19] التي تم إحداثها بعد الاجتماع التحضيري للوزراء بكانكون، الأرجنتين والبرازيل والصين وجنوب إفريقيا. وتركز البلدان التسعة عشر التي تكون اليوم مجموعة العشرين اهتمامها على المفاوضات الزراعية؛ وهي تمثل 60 % من سكان العالم و70 % من المزارعين و25 % من التجارة العالمية للمنتوجات الزراعية. فهي تعمل بكيفية مشتركة حول الدعامات الثلاث للمفاوضات (تخفيض مهم من المساعدات الداخلية، تحسين الولوج إلى الأسواق، إلغاء المساعدات على التصدير) مع التأكيد على اتفاقيات الدوحة: إصلاح الزراعة بهدف إخضاع التجارة الزراعية لقواعد النظام التجاري متعدد الأطراف وتشجيع التنمية الاجتماعية والاقتصادية بواسطة التجارة. ولم يُحدث مركز ثقل مجموعة العشرين قطيعة مع والتبادل الحر، لكنها تتخذ موقفا هو بوضوح موقف مؤيد لتعدد الأطراف ومناهض للهيمنة. ومن تم تلتقي ببعض المواقف التي تحددت في باندونغ سنة 1955 وفي مؤتمر بلغراد لحركة دول عدم الانحياز سنة 1962. لكن، لا يجب أن نعتقد مع ذلك بوجود توافق بين دول الجنوب. ففي مجموعة العشرين هناك فرق بين المواقف الهجومية للأمانة والمواقف الدفاعية لبلدان أخرى. وقد شكلت بلدان الجنوب الأخرى، الأكثر فقرا في غالب الأحيان، مجموعة التسعين، التي تتردد بشأن المواقف الواجب اتخاذها؛ سيما وأن الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي يعملان على تفرقة بلدان الجنوب. ويجب ألا ننسى أن أزمة تصفية الاستعمار تفاقمت بانكسار جبهة بلدان الجنوب، وهي أزمة أججتها الأوبيب (منظمة البلدان المصدرة للبترول) التي فضلت التفاوض على حدة من جانبها.
تحتل حركة العولمة البديلة مكانة استراتيجيا في هذه التعبئة. وهذه الاستراتيجية تحملها اليوم الحركة العالمية المفعمة بروح المواطنة[20] التي أحرزت تقدما من سياتل إلى بورتو أليغري. وقد كانت سياتل مطبوعة بتقارب حركات مقاومة عالم لا يطاق، وهي نقابات العمال وحركات الفلاحين، والمستهلكون والمدافعون عن البيئة، وحركات العاطلين وذوي السكن غير اللائق والذين لا حقوق لهم، وحركات النساء والشباب، وحركات التضامن الدولي والدفاع عن الحقوق والحريات. في حين أعطت بورتو أليغري الانطلاقة لمرحلة إعداد عمومي وتقديم مقترحات، مرتبطة بهذه الحركات ومطبوعة برفض المذاهب الدوغمائية وبأمل كبير في التحرير والانعتاق. إنها أقلية نشيطة تؤكد ذاتها، لكنها ترفض اعتبار ذاتها بمثابة طليعة. إنه بروز ثقافة جديدة. والمشروع هو مشروع ديمقراطية عالمية قد تشق طريقها عبر الجمعيات المطبوعة بروح المواطنة والحركات الاجتماعية والمواطنين الذين يشيدون مجتمعا مدنيا عالميا؛ من خلال تشكيل رأي عام عالمي ووعي كوني. ويستجيب العديد من المقترحات التي تحملها الحركة المواطِنة العالمية لضرورة مزدوجة تتمثل في محاربة الفوارق الاجتماعية والجيو- سياسية، وتشييد دعائم منظمة عالمية جديدة انطلاقا من التقدم الذي أحرزه القانون الدولي.
تقوم المطالب التي تحملها الحركة المواطِنة العالمية على التضامن الدولي بين الشعوب، الذي يُُبنى من خلال الحركات الاجتماعية وحركات الانعتاق في مختلف البلدان. ويمكن أن نعتبر أن الحركة المواطِنة العالمية قد حققت نجاحا أول. ففي المنظومة الدولية هناك مؤسسات مالية دولية وقوى سائدة، لكن هناك أيضا الحركة المواطِنة وردود فعلها التي تغير المنظومة. وهذه الحركة المواطنة تشتغل سلفا بمثابة محلِّل، فهي تمكن من فهم طبيعة المؤسسات والمنظومة الدولية واستكشاف الأركان غير الشفافة، تلك التي تخص المقصيين والمنبوذين من المنظومة. وهي أيضا حركة تحمل مقترحات وتصورات جديدة. وقد مكنت تعبئات السنوات الأخيرة من الوعي بواقع العالم وسلطت الضوء على مظاهر الفوارق والظلم. وساهمت في فتح آفاق وآمال جديدة. ففي رأي الشعوب والرأي العالمي أصبحت حلول أخرى ممكنة، والحذر إزاء التحريضات الميئوس منها أكبر. وقد أضعفت هذه التعبئات كذلك مشروعية مُسيري العالم وأجبرتهم، في الوقت الراهن، على أخذ حدودهم بعين الاعتبار، وعلى عدم اعتماد الحلول القصوى. وتعود الإحالة إلى القانون في تسوية النزاعات إلى العدالة، مقابل الانتقام والعقاب الجماعي. وهذه الإحالة إلى القانون في تسوية النزاعات تفرض ذاتها في هذه الوضعية وتمكن من التحضير للمستقبل.
تطرح حركة العولمة البديلة على نفسها أيضا مسألة التحالفات. والقواعد الاجتماعية للتحالفات لا تتحدد بما يحيط بها؛ وإنما تتحدد بالنسبة للمشروع الذي يُبنى حوله التحالف. وتضم هذه التحالفات قوى اجتماعية وسياسية من طبيعة مختلفة، وحركات اجتماعية ومواطِنة، وأحزابا سياسية، ودولا وفاعلين آخرين كذلك. فحركة العولمة البديلة تبني تدريجيا إطار تدخلاتها وتمثيلياتها. لأن التمثيلية التي تجعل الدول والمقاولات في مواجهة بعضها البعض كفاعلين وحيدين في التغيير لم تعد كافية. إذ أن هناك فاعلين جدد يتدخلون ويبرزون على الساحة الدولية، ونذكر منهم بصفة خاصة الجماعات المحلية والجمعيات التي تحمل مقاربة جديدة للتغيير الاجتماعي. والمجتمع المدني الذي هو مصطلح قابل للنقاش لكنه يتصف بالملاءمة، يقترح عدم حصر السلطة المدنية في العلاقة بين السلطة الاقتصادية والسلطة الإدارية. وهو يقترح جعل تعبئة المواطنين والتزامهم أكثر فعالية في الديمقراطية التمثيلية، والربط بين التفويض والمشاركة. ومقترحات حركة العولمة البديلة غير مخصصة للسلطات وللحكومات، لكنها لا تهملها؛ فهي واعية بأهمية كافة أشكال ما هو سياسي.
تواجه حركة العولمة البديلة، من وجهة نظر التحالفات خمسة تحالفات ممكنة، وهي تحالفات عليها أن تُمَفْصلها تبعا للوضعيات. والتحالفان الأوسع هما التحالف المعادي للهيمنة ضد الحرب، والتحالف المعادي للفاشية ضد المتطرفين من أي جنس كانوا. والتحالفان الأكثر راديكالية هما التحالف المعادي للرأسمالية والتحالف المعادي للإنتاجوية اللذان يعترضان على دلالة النموذج الإيكولوجي. والتحالف الذي هو موضوع نقاش أكثر من غيره هو التحالف ضد الليبرالية الجديدة الذي من شأنه أن يكسر التحالف بين الليبراليين الجدد والليبراليين الاشتراكيين من دون التعرض للخطر الذي تمت تجربته سابقا، والمتمثل في تغيير الليبراليين الاشتراكيين لمواقفهم بمجرد وصولهم إلى السلطة. فقد قادت الأزمات المالية ومقاومة الحركات الاجتماعية إلى أزمة كبرى في الفكر الليبرالي. يشهد على ذلك النقاش الذي فتحه البنك الدولي حول السياسات، بين الليبراليين المتطرفين والكينزيين الجدد. وقد ابتدأت المواجهة بتحليل الأزمات المالية ومعارضة دور المؤسسات المالية الدولية. وتركز النقاش حول دور الدولة والسياسات الاجتماعية.
يمكن لحركة العولمة البديلة أن تمسك بزمام مسألة إصلاح المنظومة الدولية وإصلاح منظمة الأمم المتحدة؛ ويمكنها المساهمة في خلق حركة من أجل الإصلاح الجذري للأمم المتحدة. حيث يكون بإمكان الحركات الاجتماعية في كل بلد من بلدان الجنوب والشمال أن تسمع صوتها من أجل إحقاق العدالة والسلم، ولفرض محاربة الفوارق لاعتبارها أولوية. وبإمكانها أن تدفع بعدة دول، والاتحاد الأوربي بصفة خاصة، إلى انتهاز هذه الفرصة لتأكيد استقلالها وإدراج مشروعها في عالم متعدد الأقطاب وأكثر توازنا. فمن واجب الحركة المواطِنة العالمية أن تعطي معنى لالتزام المواطنين. والتضامن الدولي بين الشعوب رد على الفكرة العبثية والقاتلة المتمثلة في حرب الحضارات. إذ يمكن أن يولَد التقدم في القدرة على التغلب على المحن. ولتحقيق تقدم الحضارة يجب أولا مواجهة البربرية التي تشكل النظام الجائر للعالم.
[1] Maurice Bertrand, L’ONU, collection Repères, La Découverte, Paris, 1994.
[3] لنسجل كذلك أن المفاوضات الجديدة حول الاتفاق العام للتجارة والخدمات تواصل توسيع تقويم السوق العالمية على مجموع الأنشطة العالمية.
[9] ندوة القطب القانوني لجمعية فرض الضرائب على المعاملات من أجل مساعدة المواطنين «إعداد القانون من أجل مراقبة العولمة»، يونيو 2004.
[11] ذكرت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للجنة الفرعية لحقوق الإنسان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة بتاريخ 26 نونبر 1999، بالإجماع، منظمة التجارة العالمية (التي كانت ستجتمع بعد بضعة أيام بسياتل) أن لكل واحد من أعضائها ملزم إلزاما مطلقا باحترام وثائق الأمم المتحدة وبضمان أن «مبادئ حقوق الإنسان والالتزامات المترتبة عنها ستُدمج بالكامل في المفاوضات المستقبلية لمنظمة التجارة العالمية.»
[12] «إلزام المؤسسات الدولية باحترام العهود والاتفاقات الدولية»، الندوة التي نظمتها المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة والمجلس الأعلى للتعاون الدولي، جنيف 2001.
[16] موريس برتراند، Refaire l’ONU, un programme pour la paix,، مطبوعات Zoé، جنيف، 1986
[17] Jean-François Bayard, Le gouvernement du monde, une critique politique de la globalisation, Fayard, Paris, 2004.
[18] بيير كَلام، « La démocratie en miettes, pour une révolution de la gouvernance »، باريس 2003، منشورات دار ديكارت؛ مؤسسة شارل ليوبولد مايير « Repenser la gestion de nos sociétés, dix principes pour la gouvernance, du local au global »: www.alliance21.org
[19] « Le G20 appelé à durer ou phénomène passager ? »، ندوة المنتدى الاجتماعي العالمي بمومباي سنة 2004 التي نظمتها Focus on the Global South، CUT Brazil، FES Germany، The Hindu Inde.
[20] غوستاف مْسيح « Le mouvement citoyen mondial » "الحركة المواطِنة العالمية"، Revue Mouvements، 2002.
