Articles et interventions

Humanitaires et Altermondialistes – AR – 10p – 27.04.2010 – Altermondialisme, mouvements

إنسانيون ومن دعاة العولمة البديلة

غوستاف ماسيا
رئيس مركز البحث الدولي للتنمية
أكتوبر 2006

 

لا يدع لفظ الإنساني، إذا ما فهمناه في معناه الحقيقي، باعتباره نعتا، يهدف إلى رفاه الإنسانية، لا يدع مجالا للجدال. لكنه يفسح، باعتباره اسما نكرة، يعرَّف باعتباره مجموع المنظمات الإنسانية، مجالا أوسع للنقاش. فالحركة الإنسانية تحتل مكانة خاصة في مجموع حركة التضامن، وفي حركة التضامن الدولي بصفة خاصة. وقد تميزت عن تيارات حركة التضامن الدولي الأخرى، عن العالم الثالثيين، وعن المعادين للاستعمار والإمبريالية و«المدافعين عن التنمية». وتطورت أيضا في هذه المواجهة التي انقسمت في تصوراتها وفي ممارساتها. وسنصوغ فرضية مفادها أن تيار العولمة البديلة يشكل امتدادا وتجديدا لتيارات التضامن الدولي وأشكالها. فهو يقترح تماسكا جديدا ويشكل فضاءا جديدا للتقارب يتعرف فيه جزء من الحركة الإنسانية على ذاته ويجد ذاته فيها.

من منظمات غير حكومية إلى جمعيات التضامن الدولي  

تشكلت حركة التضامن الدولي انطلاقا من عدة تيارات آلت بها الظروف إلى التطور مع تصفية الاستعمار. ويجد التيار الخيري جذوره البعيدة في الجمعيات التقَوية وفي الأخويات الرهبانية. وقد تجدد بتيار إنساني تعود جذوره إلى ردود الفعل إزاء الحروب.  فالصليب الأحمر هي أول منظمة غير حكومية بالمعنى الحقيقي للكلمة معترف بها من طرف الأمم المتحدة. وقد أُحدث "الإسعاف الأحمر" الذي سيصبح "الإسعاف الشعبي الفرنسي"  سنة 1925، و"اللجنة البيحركية المساندة للأشخاص المرحَّلين" سنة 1939، و"الإسعاف الكاثوليكي" وهو فرع فرنسي لجمعية Caritas سنة 1947. وهي أيضا فترة إحداث المنظمات غير الحكومية الأنغلو- سكسونية الكبرى؛ OXFAM في بريطانيا العظمى سنة 1942، و CARE سنة 1945، و World Vision سنة 1950 بالولايات المتحدة الأمريكية.     

 

كان الموضوع السائد بداية من نهاية الخمسينات هو موضوع محاربة الجوع. وقد تم إحداث "إيمايوس الدولية" سنة 1955 من خلال معهد البحث والعمل حول بؤس العالم الذي سيصبح l’IRAM. وسنرى ما بين 1963 و1965 ظهور "أرض بني الإنسان في فرنسا، Medicus Mundi، و l’AFVP، وإخوان بني الإنسان.   

ستفضي موجة الحصول على الاستقلال خلال الستينات بالجمعيات إلى أن تضيف إلى محاربة الفقر الاهتمامَ بالتنمية. وهكذا تم سنة 1960، في خضم الحملة العالمية لمحاربة الفقر، إحداث الحملة الكاثوليكية لمحاربة الجوع وتشجيع التنمية. إنها فترة المثل الصيني القائل: «إن أعطيتني سمكة سآكل يوما، وإن علتني الصيد فسآكل كل يوم». وفي سنة 1958 أحدث الأب لوبري "معهد البحث والتكوين، والتربية على التنمية". وطور نظرية للتنشيط والتكوين موجهين بالأولوية إلى المناطق القروية. وأحدث هنري ديروش الكوليج التعاوني الذي ارتبط بالتربية الشعبية. وتدخلت في إفريقيا، منذ الستينات، عدة حركات للشباب والتربية الشعبية؛ نذكر منها كشافو وكشافات فرنسا، وكشافو ومرشدو فرنسا، والعصبة الفرنسية للتعليم والتربية الدائمة، وفيدرالية ليو لاغرانج، ومركز التدريب على مناهج التربية الفعالة.  

موازاة مع هذا التيار العالم ثالثي، تجب الإشارة إلى بروز تيار تمخض عن النضالات المعادية للاستعمار. ظهر في الحركة من أجل السلم في الجزائر، والجمعيات الطلابية الإفريقية والمغاربية، ولجان الفيتنام، وجمعية الصداقة مع شعوب إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وقد تفرع على شكل لجان للدعم والنضال. وابتداء من سنة 1968 سيدعم مركز الدراسات والتوثيق حول مشاكل العالم الثالث، (أصبح سنة 1968 المركز المناهض للإمبرياية، واليوم مركز الدراسات ومبادرات التضامن الدولي) العديد منها، ونذكر من بينها اللجان المناهضة للأوتسبّان التي ستصبح "الحركة المناهضة للأبارتايد" ولجان دعم النضال الثوري للشعب الشيلي. وسيضم مركز الدراسات والتوثيق حول مشاكل العالم الثالث عددا كبيرا من المتعاونين التقدميين الذين سيطلَق عليهم اسم «الأقدام الحُمر»، الذين يودون دعم حركات الاستقلال.      

كان النقاش بين المدافعين عن بلدان العالم الثالث والمعادين للإمبريالية نقاشا حادا. حيث ارتأى الأولون أن الآخرين سياسَوِيِّين أكثر من اللازم، بل ومغالين في التركيز على الجانب السياسي، وآخذوا عليهم دعمهم لدول لا تهتم كثيرا بالحريات. ووجد الآخرون أن الأولين قاعدويين أكثر من اللازم وحيِّزَويين من خلال منجزاتهم الصغرى، وأنهم يغالون كثيرا في الاهتمام بالعالم القروي ويراعون السلطات التقليدية والدينية. وستخف هذه المؤاخذات بداية من نهاية الستينات. إذ سيحمل جيل جديد من المسئولين ثقافة سياسية جديدة تأسست في سنوات التعبئة التي تلت سنة 1968. حيث سيَعي المعادون للإمبريالية تطور الأنظمة المنبثقة عن تصفية الاستعمار، وسيقدر المدافعون عن بلدان العالم الثالث حدود العمليات المحلية. وسيجدون أنفسهم معا في مواجهة هجوم المُعادين لبلدان العالم الثالث بقيادة جمعية حريات بدون حدود.        

 

جمعيات التضامن الدولي والحركة الإنسانية  

سيرى النور خلال هذه الفترة جيل جديد من الإنسانيين انطلاقا من إحداث أطباء بلا حدود، إبان حرب بيافرا سنة 1971. وسيقلب تأكيد هذه الحركة الجديدة للعمل الإنساني حول أطباء بلا حدود بعدة جمعيات، من بينها أطباء العالم والعمل الدولي ضد الجوع وتوازن وغيرها، سيقلب النقاش رأسا على عقب شكلا ومضمونا. وسيبدأ ذلك بفترة مواجهة جد حادة مرتبطة بتأكيد الحركة، تأكيدا محتدما أحيانا وبدون تلوينات، لمسار العمل الإنساني الجديد.  

 

القضايا التي طرحتها الحركة الإنسانية الجديدة جد وجيهة؛ فهي تثير مشاكل واقعية وأساسية. وهي تحدث رجة في المنظمات غير الحكومية المتدخلة في العمل الإنساني والتي شرعت في الانتقال من العمل الخيري إلى التنمية. وقد كانت الصدمة قوية إلى درجة احتلت معها الجمعيات الجديدة ميدان التضامن بدون تحفظ أو مجاملة مؤكدة على إرادة واضحة في الهيمنة.     

 

في وضعية مطبوعة بأزمة تصفية الاستعمار، وأمام التطور المقلق للأنظمة المنبثقة عن حركات التحرر الوطني، وتعميم الحروب الداخلية والنزاعات الإتنية، ولا مبالاة السلطات العمومية وعدم اهتمام الرأي العام، أمام كل ذلك كان ظهور خطاب العمل الإنساني على حين غرة ملائما. وبإمكاننا أن نناقش محتواه وليس أهمية رد فعل حركة إنسانية تؤكد من جديد استقلاليتها بالنسبة للمؤسسات السياسية والدينية.

 

يبرز الخطاب الأولوية المعطاة للبقاء على قيد الحياة المبرِّر لحالة الطوارئ. وهو يؤكد كونية حقوق الإنسان ويطالب بمشروعية التضامن الإنساني بالنسبة للسيادة الوطنية التي قد يقتصر تمثيلها على الدول دون غيرها؛ إذ من شأن ذلك أن يكون أساسا "لإلغاء الحدود" ولحق التدخل الإنساني. إنه يبرز الاحترافية وتعبئة المتطوعين وسرعة التدخل والتعبئة حول وضعيات الطوارئ؛ إذ من شأن ذلك أن يكون أساسا للفعالية ودليلا على المصداقية وفائدة تقديم المساعدة. وهو يشدد على تحسيس الرأي العام من خلال تحريك العواطف والعمل الرائع؛ فقد يكون ذلك أساسا للعلاقات المشتركة في الجوهر مع وسائل الإعلام.

 

هذا الخطاب يفتن مباشرة، والجمعيات الإنسانية الجديدة تفرض ذاتها ضمن جمعيات التضامن الدولي الأكثر أهمية. فهي تعبئ العديد من المتطوعين عندما تلتقي بالرغبة الشخصية والرغبة في الانخراط المباشر للعديد من الشباب؛ وتجلب هبات خصوصية مهمة للغاية، وتحصل على حصة متنامية من الأموال العمومية للمساعدة على التنمية؛ وتحظى بدعم وسائل الإعلام بكيفية مستمرة وتؤثر في الرأي العام.

 

تتنوع الخطابات بعد فترة إثبات الذات وتفقد من حدتها. ويواصل جزء من الجمعيات والناطقون باسمها هجومهم على المكونات الأخرى لحركة التضامن الدولي. فينزلق رفض الشعور بالذنب والمازوخية، المبرَّر من حيث الجوهر، نحو النسبية وينضم إلى القطاعات التي تطالب في مجتمعاتنا علانية برد الاعتبار للاستعمار. ويتحول نقد دول الجنوب، المبرَّر بدون جدال، نحو الشيطنة ويتجه حق التدخل إلى ضغط على دول الشمال لدفعها إلى فرض شروط تخلط المطالب الديمقراطية والملاءمة مع السوق العالمية. وما زالت دول الشمال تقدَّم باعتبارها حكاما، دونما اعتبار لإنكارها المتزايد لحقوق الإنسان ومسئوليتها في الحروب ودورها في الهيكلة الجائرة للنظام الاقتصادي والسياسي العالمي.

 

تقوم ثقافة الطوارئ التي تمت بلورتها على رؤية للجنوب، الغربي والمتحرر من العقد، عبر سياسة إعلامية جريئة تناقش المجتمعات المدنية والجمعيات في تلك البلدان مناقشة الند للند. ويطمس التعارض الذي ما يزال قائما بين الطوارئ والتنمية الأسباب، ولا يقدر قيمة إعادة إمساك القوى العظمى بزمام الأمور التي تتخذ أشكال إعادة استعمار لجزء من الجنوب، لا يقدرها حق قدرها.     

 

ومن حسن الحظ أن هناك خطابا مغايرا تماما في الحركة الإنسانية. فالمواقف الشجاعة والمتنوعة لروني براومان وللعديد من الآخرين تقطع تماما مع تلك الانزلاقات. إذ توجد العديد من الجمعيات الإنسانية اليوم في موقع يمزج بكيفية موفقة العلاقة بين الطوارئ والتغيير الاجتماعي. ومنذ بداية الثمانينات، سيؤثر الصعود القوي للعمل الإنساني للدولة على تطور الحركة الإنسانية، وسيفضي بجزء من هذه الحركة إلى التلاقي مع مجموع حركة التضامن الدولي.   

 

تدعي السياسة الخارجية للدول العمل الإنساني وحقوق الإنسان. والأمر يتعلق بإحداث توافق بين المثالية والمصالح الأنانية ل «الغيلان الباردة». وهذا التطور يغير العلاقات بين ما هو إنساني وما هو سياسي. حيث تأتي بعد استقلالية المنطَلق لعبة معقدة من التحالفات المطبوعة بالصراع. فالولايات المتحدة نمَّت، انطلاقا من رئاسة كارتر، إيديولوجيا عجيبة لحقوق الإنسان مرتبطة ارتباطا ذاتيا مع السوق العالمية الموجودة فعليا. حيث يَربط حق التدخل مباشرة الإنساني بالعسكري. فالحق الإنساني يؤثر على القانون الدولي.  

 

يجب أن نؤكد كذلك على نتائج بروز الحركة الإنسانية على تنظيم حركة التضامن الدولي وهيكلتها. حيث تصادف هذه الأخيرة، باعتبارها حركة جمعوية، تناقضين اثنين هامين، هما: الانتقال إلى الاحترافية والانتقال إلى المأسسة. فالتدخل على صعيد المشاكل يقتضي التحول إلى مستوى الاحترافية، والرغبة في التدخل على مستوى الديمومة تقتضي الانتقال إلى مستوى المؤسساتية بكيفية ما. والحال أن النماذج السائدة هي نماذج المقاولات والمؤسسات، خصوصا الإدارية منها، لذلك ينبغي إيجاد وسيلة للاستجابة لهذه الضرورات، باعتبارها جمعيات، بكيفية يتم معها بناء احترافية لا تُختزل معها الجمعيات إلى ما يشبه المقاولات، وأن تتجنب بيروقراطية الإدارات.   

 

يواجه القطاع الجمعوي للتضامن الدولي كذلك مشكل تمركز المنظمات غير الحكومية وتعدد جنسياتها. حيث تُمثل الجمعيات الكبرى توازنا ممكنا بالنسبة لكبريات المقاولات والدول؛ وهذا التطور ليس تطورا بدون أخطار. فالجمعيات الإنسانية ليست هي الأكثر أهمية من حيث الحجم وحسب، وإنما هي الأكثر تأثرا بتلك التحولات. ونموذج الفعالية يستوحى من المقاولات، لكنه يستوحى من المجال العسكري أيضا؛ حيث يجد اللوجستيكيون نموذجهم في الوحدات المتخصصة للجيوش. والجيوش تنظم ذاتها بوحدات إنسانية. ففي سنة 2004، خلال نقاش نظمته الأسبوعية La Vie حول العمل الإنساني، احتلت مداخلتان من بين المداخلات مكانة مهمة. فقد أوضح ممثل CARE أنه كان يجب ملاءمة المناهج للحصول، في وضعية تنافسية، على حصص سوق رؤوس الأموال المخصصة للعمل الإنساني. وأوضح عقيد مهندس أن نقائص كثيرة تشوب التنسيق بين المنظمات غير الحكومية وجيوش الحملة، وأنه ينبغي على المنظمات غير الحكومية الغربية أن تكون حاضرة بالمطارات قبل الإنزال لتيسيره، وأنه كان ينبغي عليها أن تشارك في تمويل تلك الحملات لتعويض التقليص المحتمل للميزانيات العسكرية!

 

التضامن الدولي، الشراكة والتربية على التنمية

في النقاش المفتوح مع الحركة الإنسانية الجديدة، ادعت عدة جمعيات للتضامن ومنظمات غير حكومية للتنمية التربية على التنمية والشراكة. وكان قد تم تحديد أشكال العمل هذه منذ منتصف الستينات؛ حيث كان الأمر يتعلق آنذاك بتحسيس الرأي العام الأوربي، والفرنسي بصفة خاصة بضرورة محاربة الجوع في بلدان العالم الثالث والمساعدة على التنمية.  وقد سارت الأمور في البداية، بالنسبة لإسعاف ضحايا المجاعات والنزاعات على أحسن وجه. وهل يمكن أن نقبل عدم تقديم المساعدة لأشخاص أو شعوب في خطر؟ لكن الارتقاء إلى مستوى التحديات يقتضي القدرة على الاستناد إلى تعبئة المجتمع الفرنسي. وهذه التعبئة تتطلب وسائل بشرية - انخراط متطوعين وأجراء -، ووسائل مالية - في الحصول على التمويلات العمومية وجمعها - ووسائل سياسية، من خلال عمل الحكومة والسلطات العمومية الفرنسية.    

 

مر التوجه من أجل التنمية في الستينات بلحظات وعي وقطيعات. فمشكلة محاربة الجوع لا يمكن أن تُحل بالعمل الخيري، وإنما يجب أن تُدرج ضمن رؤية أوسع سُميت بالتنمية. ولا يمكن لهذه التنمية أن تقتصر على مشاريع أو حتى على قطاعات (الصحة، التعليم، التغذية،...الخ.). فالأمر يتعلق بمسلسل يتمثل عنصره الحاسم في تعبئة السكان المعنيين. ويجب أن يتم القيام في آن واحد بالزيادة في المساعدة العمومية على التنمية وبإعادة النظر في طبيعتها وفي بنيتها وفي أسسها.  

 

أدى هذاالتوجه إلى ميلاد أهم مساهمة، وهي الشراكة. ففي البداية كان البحث عن شركاء ضروريا لضمان استمرارية المشاريع. ثم فرضت نفسها فكرة ضرورة الانطلاق من طلب الشركاء. وبعد ذلك بأن الأمر كان يتعلق بتوفير الظروف والمناخ التي تمكن من تقوية الشركاء. وأخيرا بأن الهدف ذاته كان يتمثل في العمل بالمثل وبشكل مشترك مع حركات جمعوية تمثل ما تمت تسميته، تبسيطا للأمور، ب «المجتمعات المدنية». وقد ابتَدعت الحركة مع الشراكة التعاون بين مجتمع وجتمع.    

 

كان يجب العمل على اقتسام هذا التصور في المجتمع الفرنسي. سيما وانه انطلاقا من بداية الستينات كان هناك، مع أطباء بلا حدود، تسويق بدون هوادة يكيل الثناء ل «كرم وسخاء» مقدمي الهبات، وكان يطالب بالجزء الأساسي من الموارد العمومية. فرفْض المغالاة في التبسيط أفضى إذن إلى اقتراح التربية على التنمية لإعطاء وجه جديد للعالم الثالث والإعلان بوضوح عن الرهانات والمقاربات والحلول الممكنة وتوضيح المساهمات الرائعة للشراكة.    

 

كانت هذه التربية على التنمية تقتضي البحث عن تقديم أسباب هذه الوضعية، أسباب ما سمي آنذاك بالتخلف أو بالتنمية السيئة. وقد ساهم في ذلك كثيرا روني ديمون بكتابه « L’Afrique Noire est mal partie» "إفريقيا السوداء انطلقت بكيفية خاطئة". وكان من الضروري العودة إلى الاستعمار، وإلى إخفاقات دول ما بعد الاستعمار، وإلى مسئوليات السياسة الفرنسية والأوربية ومسئولية المؤسسات الدولية. ولم تكن هذه المقاربة النقدية التي لا غنى عنها موضع إجماع في المجتمع الفرنسي، لكنها ساهمت في تقدم الوعي بطبيعة الأمور.    

 

وجد مناضلو جمعيات التضامن الدولي في التربية الشعبية القواعد المنهجية للتربية على التنمية. وقد اعتمدوا على حركات التربية الشعبية، وعلى l’IRFED وl’IRAM والكوليج التعاوني على وجه الخصوص. كما اعتمدوا على تجربة أمريكا اللاتينية وعلى عمليات وأعمال باولو فرير Paulo Freire بصفة خاصة. وأخذوا من «بيداغوجيا المضطهدين» و«التربية، ممارسة الحرية» - وهما مؤلفان من بين مؤلفاته الأكثر شهرة - فكرتي التوعية والتكوين الذاتي الفردي والجماعي.    

التنمية في مواجهة حدودها وفي مواجهة الليبرالية الجديدة  

تغيرَ السياق العالمي ابتداء من سنة 1977؛ فمرحلة الليبرالية الجديدة للعولمة هي مرحلة لمعاودة الغزو. وتعود أسسها إلى الهيمنة المتجددة للشمال وطبيعة الاقتصاد العالمي، وإخفاق الأنظمة المنبثقة عن تصفية الاستعمار، وإخفاق المذهب السوفياتي. وهي تعتمد على تدبير عدواني وإجرامي لأزمة الدين. فجبهة دول عدم الانحياز انهارت، وبعد ذلك بحوالي عشر سنوات، أي في سنة 1989 جاء دور انهيار الاتحاد السوفياتي.    

 

يدعو النموذج السائد الجديد بإلحاح إلى ملاءمة الاقتصادات مع السوق العالمية. فهو يقترح تحرير السوق، أي الضبط بواسطة الأسواق، خصوصا السوق العالمية للرساميل، وتقليص دور الضبط العمومي في الاقتصاد؛ وإعطاء الأولوية للتصدير وللاستغلال الجامح للموارد؛ وتحرير المبادلات؛ والأولوية للاستثمار الدولي ولعمليات الخوصصة؛ والمرونة والضغط على الأجور وتقليص الأنظمة العمومية للحماية الاجتماعية؛ وتقليص نفقات الميزانية التي تعتبر بمثابة نفقات غير مثمرة والتي تتمخض عن تقليص ميزانيتي الصحة والتعليم؛ وتخفيض قيمة العملات النقدية.    

 

ولتحقيق تماسك النموذج، يجب تشييد البيئة الدولية التي تقابله. ومنذ البداية، سطر تدبيرُ أزمة الدين الخطوط الأولى للإطار المؤسساتي حول صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ونادي باريس ونادي لندن. ويبقى الأمر الأكثر أهمية هو أسبقية سوق الرساميل وضبط الاستثمارات وتنظيم التجارة العالمية. فالأمر يتعلق بتنظيم الإطار المجبِر للدول، الذي «من شأنه أن يحرر» الأسواق الدولية والفاعلين المفضلين في التنمية، أي المقاولات الدولية.   

 

تتمخض العولمة عن ملاءمة كل مجتمع مع السوق العالمية؛ عن تفاقم الفوارق بين الشمال والجنوب وداخل كل بلد من البلدان، عن الهشاشة في مجتمعات الشمال وانفجار الفقر في بلدان الجنوب. وليس الأخذ بعين الاعتبار لفروق الوضعية والتفاوتات والتمميزات وأشكال اليسطرة والاضطهاد، في نظرنا، مسألة ثانوية ونتيجة يجب تصحيحها. إنها تشكل جزءا من سبب التحول الاجتماعي وتُميِّزه؛ فهي تشكل إذن جزءا مما نريد فهمه، من كيفية رؤيتنا وتحليلنا للمجتمعات وللنظام الدولي.  

 

لماذا فرض نموذج الليبرالية الجديدة ذاته وكيف تم ذلك؟ لن نخوض هنا في النقاش. فنموذج الليبرالية الجديدة هو في الواقع نموذج لمعاودة الغزو. إنه يقيم الدليل على أن المعركة الفكرية هي شكل من أشكال الصراع الاجتماعي. وقد استخلص العبر من إخفاقات النماذج السابقة ونقط ضعفها ليقترح تماسكا جديدا. حيث استفاد من المعارضة الجيو- سياسية للنموذج السوفياتي الذي انهار نهائيا سنة 1989؛ فقلص، من خلال تدبير أزمة الدين، هوامش الاستقلال التي تم الحصول عليها بتصفية الاستعمار؛ وأعاد النظر في التقدم الاجتماعي الذي حققه الأجراء عبر سياسات الهشاشة وتأزيم أنظمة الحماية الاجتماعية. وقد أبان هذا التطور أن الديناميات التي تعمل في المجتمعات ليست اقتصادية وحسب، وإنما هي اجتماعية وسياسية وإيديولوجية وثقافية وعسكرية كذلك.    

 

لا يمكن لحركة التضامن أن تتغافل عن فكر التنمية الذي يستلوم اليوم إعادة النظر فيه. إذ أن فكر التنمية يترجَم في نماذج تبين بوضوح تصورا على صعيد النظام- العالم.  وسياسات التنمية هي طريقة لتفعيلها في وضعية معينة. فالمفاهيم لا تكون دائما صريحة بالنسبة لأصحاب القرار ورجال السياسة أوالتقنيين؛ إنها تعمل كبديهيات تحدِّد السياسات الممكنة وتمثُّـل الواقعية. وحركات المقاومة والأزمات هي التي تُظهر معنى ونسبية الحلول المقترحة.

 

تواجه حركة التضامن إعادة نظر أساسية في مفهوم التنمية الذي يتجاوز إلى حد كبير نقد الليبرالية الجديدة. ويتناول هذا النقد أربع قضايا تشكل أركانا غير نافذة لتصور للتنمية يركز على الاقتصاد والنمو. ويتعلق الأمر بقضايا التمييزات الاجتماعية والثقافية، والضرورة الديمقراطية والحريات، والنزاعات والحروب. إنه يتعلق على وجه الخصوص بالبروز المفاجئ للنموذج الإيكولوجي الذي يواجه القرابة بين النماذج الموجودة سابقا، التي هي جميعها نماذج إنتاجوية، سواء أكانت كينزية أو نيوليبرالية أو سوفياتية أو نابعة من الاستقلال الوطني. فهذا النموذج الإيكولوجي يُدخل نقلا للديمومة بإبراز حقوق الأجيال القادمة وبوضع حدود هي حدود الإيكولوجي لكوكب الأرض.   

 

في هذه الوضعية، تؤكد حركة التضامن الدولي تطورها الملتزم واختيارها لأن تُعد كحركة للتضامن. وتسمية «التضامن الدولي» هي تمثل تتحمل الحركة مسئوليته. فهي اختيار ابتدأ منذ حوالي عشرين سنة يعوض مفاهيم المنظمات غير الحكومية أو العالم ثالثيين الذين لهم هم أيضا تاريخهم. ولا ينحصر التضامن، باعتباره قيمة، في الحقل الدولي، وإنما يجد تطبيقه في كل بلد من البلدان. وهذه هي المزية التي تحظى بها صيغة «التضامن الدولي» بالمقارنة مع مفهوم «شمال/جنوب». فهو يؤكد أن التضامن يبدأ داخل كل بلد، بما في ذلك بلده. ويمكن أن يتأسس تعريف حركة التضامن الدولي إما بكيفية سكونية بالجمع بين اؤلئك الذين يشكلونه، وإما بكيفية دينامية بالمشروع الذي يحملونه. إذ أن هناك دائما علاقة بين المشروع والبنية، وهي علاقة جدلية. ويتمثل مشروع الحركة في التضامن الدولي؛ وهياكله هي بالأساس جمعيات التضامن الدولي.   

 

تتحول التربية على التنمية إلى تربية على التضامن الدولي. ورهاناتها محددة بدقة: فهم العالم لتغييره باتجاه عالم أكثر حرية وأكثر عدلا وأكثر تضامنا؛ وفهم العلاقة بين الديناميات الداخلية لتحول المجتمعات وتغيير النظام الدولي؛ وإدراج عملنا في إطار التضامن الدولي ورفض طبيعة علاقات التمييز والسيطرة في كل بلد وبين البلدان، بين الشمال والجنوب على وجه الخصوص؛ وتحليل الوضعية من وجهة نظر الحركات الاجتماعية والمواطِنة الحاملة للتضامن الدولي.   

 

حركة العولمة البديلة والتغيير الاجتماعي

لننطلق من فرضية أن حركة العولمة البديلة، باعتبارها حركة تاريخية، تشكل امتدادا وتجديدا حركة تصفية الاستعمار التاريخية. فهي تشمل حركة التضامن الدولي وتعطيها آفاقا جديدة. وهي تغير إطار التربية على التضامن الدولي ومضمونها.  

 

تندرج حركة التضامن الدولي في هذا التحقيب. فمن 1980 إلى 1989، خلال الفترة التي كان فيليكس غواتاري يسميها بحق سنوات الشتاء، كانت تدعم حركات المقاومة في بلدان الجنوب التي تطبع الشراكة أكثر فأكثر. وشاركت أيضا أكثر فأكثر في عمليات التعبئة الدولية ضد مجموعة السبعة والمؤسسات الدولية. ففي سنة 1989 نظم مركز البحث الدولي للتنمية والعمل هنا ومركز الدراسات والتوثيق حول مشاكل العالم الثالث بباريس القمة الأولى للشعوب السبعة من بين الشعوب الأكثر فقرا، وساهموا في تنظيم التظاهرة والحفل الموسيقي بمعية رونو وجيل بيرو، «الدين، المستعمرات، الأبارتايد، كفاية هكذا!». إنه تجسيد مسبق لتظاهرات العولمة البديلة.  

 

يمكن أن تعتمد التربية على التضامن الدولي على انتشار الوعي بالعواقب المأساوية لمرحلة الليبرالية الجديدة من العولمة. وتتمثل تلك العواقب في: تزايد الفوارق وارتباطها بالتمييزات؛ تفاقم سيطرة الشمال على شعوب الجنوب وارتباطها بالنزاعات والحروب؛ إعادة النظر في النظام الإيكولوجي للأرض وحقوق الأجيال القادمة وارتباط ذلك بالنزعة الإنتاجوية وبمنطق المضاربة المالية؛ تنامي انعدام الأمن الاجتماعي والإيكولوجي والحروب وارتباط ذلك بالإيديولوجيات الأمنية وبمذاهب الحروب الوقائية. فهذا الوعي يوسع فهم الارتباطات بين القضايا الاجتماعية والقضايا المجتمعية والقضية العالمية. وهو يأخذ بعين الاعتبار الارتباط الوثيق بين المستويات المحلية والوطنية والإقليمية (بمعنى الأقاليم الكبرى) والعالمية.    

 

بدأ هذا الوعي منذ بداية المرحلة النيوليبرالية في بداية الثمانينات في بلدان الجنوب مع النضالات ضد الدين وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومخططات التقويم الهيكلي. وسلط هذا الوعي الضوء منذ سنة 1989 على الإطار المؤسساتي لهذه المرحلة من العولمة (مجموعة الثمانية، صندوق النقد الدولي، منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، منظمة التجارة العالمية). وانتشر ابتداء من سنة 1994 في أوربا (أيطاليا، فرنسا، ألمانيا)، وفي الولايات المتحدة وكوريا ضد البطالة والهشاشة وإعادة النظر في أنظمة الحماية الاجتماعية. وابتداء من سياتل سنة 1999 وبورتو أليغري سنة 2000 ستصبح المنتديات فضاءات لتلاقي حركات بلدان الجنوب والشمال.    

 

حركة العولمة البديلة، في دلالاتها المختلفة هي حركة حاملة لأمل جديد تولد عن رفض القدر؛ وهو معنى التأكيد القائل إن «عالما آخر ممكن». إذ أننا لا نعيش «نهاية التاريخ» ولا «صدام الحضارات». فتيار العولمة البديلة ينتج في الواقع من تلاقي حركات التضامن: الحركة النقابية، حركة الفلاحين، حركة المستهلكين، الحركة الإيكولوجية، الحركة النسائية، حركة الدفاع عن حقوق الإنسان، حركة جمعيات التضامن الدولي، ودون تعداد الجمعيات الثقافية وجمعيات الشباب وجمعيات الباحثين، فإنها تقارن ما بين نضالاتها وممارساتها وتأملاتها. لكن هناك توجها مشتركا يظهر كذلك من خلال المنتديات، إنه توجه حصول الجميع على الحقوق الأساسية، على الديمقراطية والسلم. وهو بناء لبديل عن المنطق السائد. إذ بإمكاننا أن نعارض البداهة التي تدعي بأن الكيفية الوحيدة المقبولة لتنظيم المجتمع هي الضبط بواسطة السوق باقتراح تنظيم المجتمعات انطلاقا من حصول الجميع على الحقوق الأساسية. وهذا التوجه المشترك يعطي معناه لتلاقي الحركات.   

 

يتمخض هذا التوجه المشترك عن ثقافة جديدة للتغيير يمكن قراءتها في تطور كل واحدة من الحركات. فالحركات متشبعة بمرجعية الحصول على الحقوق من لدن الجميع. ولتقديم بعض الأمثلة نشير إلى أن منظمة العفو الدولية قررت منذ ثلاث سنوات أن تتكفل بالدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ وتحدد منظمة أطباء العالم أهدافها بالنسبة للحق في الصحة؛ وتحتج النقابات بالحقوق الأربعة الأساسية لمنظمة العمل الدولية؛ وتأخذ الطريق الفلاحية Via Campesina بعين الاعتبار الدفاع عن الفلاحين والسيادة الغذائية والمخاطر الإيكولوجية والعلمية؛ الخ.   

 

تحولت حركة التضامن الدولي بفعل ذلك. وقد أمسكت الحركة الجمعوية بزمام مسألة التغيير الاجتماعي انطلاقا من البحث عن بدائل، هي تلك التي تقابل حصول الجميع على الحقوق الأساسية والمساواة في الحقوق. فقاعدة الحركة تتغير. إذ ليس هناك مناضلي التضامن الدولي الذين يتوجهون إلى الرأي العام؛ وإنما هناك كل اؤلئك المقتنعين، في الحركات وتلاقي الحركات، بأهمية التضامن الدولي والذين يمارسونه. وهذا التطور جلي من خلال مركز البحث الدولي للتنمية وتكييفه، باعتباره مجموعة عمل، مع السياق العالمي منذ بروز المنتديات الاجتماعية على وجه الخصوص. فمن أصل 54 عضوا بمركز البحث الدولي للتنمية التحق به منذ أقل من أربع سنوات 29 عضوا: لم يعد الأمر يقتصر على جمعيات للتنمية تعمل بشكل يكاد يقتصر على التضامن الدولي بالجنوب.     

نلاحظ على هذا النحو توسعا في فضاء التضامن الدولي يتمحور حول التغيير الاجتماعي وبناء بدائل ولا يتمحور فقط حول تضامن الشمال-الجنوب.  

 

يبرُز حاليا نقاش حول التوجه والقيم التي يمثلها التضامن الدولي. وسواء تعلق الأمر بالمواطنة أو بالتربية الشعبية أو بالشراكات فإن التضامن الدولي هو بعد للتضامن وحسب. فحركة العولمة البديلة تخط مقاربة جديدة، عالمية، تشمل تناقض الشمال-الجنوب من دون أن تقتصر على ذلك. ذلك أن التضامن أقوى لأن الوضعية هي وضعية مشتركة وتُعاش على نحو ما هي عليه.  

 

مواضيع التضامن الدولي تحملها حركة العولمة البديلة: لقد سبقتها وهيأتها، والحركة مكنت من إعادة توجيهها. ولنذكر مثلا مسألة القانون الدولي ومحاربة الإفلات من العقاب؛ والإطار المؤسساتي للعولمة والإصلاح الجذري للمؤسسات الدولية؛ والعلاقات بين الهجرات والعولمة، والديمقراطية في المقاولة والمعايير الدولية التي تضمن مسؤوليتها الاجتماعية والبيئية؛ والخبرة المواطِنة ومعارضة احتكار الخبرة السائدة؛ والسوق العالمية والمبادلات الدولية؛ وإلغاء الدين والقضاء على الجنات الضريبية؛ وإعادة التوزيع بواسطة المكوس الإجمالية؛ واستغلال السبل الجديدة للاقتصاد الاجتماعي والتضامني؛ الخ.   

 

الجمعيات الإنسانية والعولمة البديلة  

العديد من الجمعيات الإنسانية هي أطراف مشاركة في تيار العولمة البديلة. ولنُشرْ أولا إلى أن التمييز بين الجمعيات الإنسانية والمكونات الأخرى للتضامن الدولي قد خف كثيرا. فالعديد من جمعيات مركز البحث الدولي للتنمية تعرِّف نفسها أيضا باعتبارها جمعيات إنسانية (اللجنة الكاثوليكية المناهضة للجوع وتشجيع التنمية، الإسعاف الكاثوليكي، الإسعاف الشعبي، الإسعاف الإسلامي، إيمايوس الدولية، الخ.). ولنُشِرْ بعد ذلك إلى أن العديد من الجمعيات الإنسانية تشارك في المنتديات الاجتماعية العالمية والأوربية وفي تظاهرات أخرى لتيار العولمة البديلة، مثل القمة من أجل عالم آخر التي انعقدت بأنماس سنة 2003 ردا على مجموعة الثمانية. بل وتشارك بعض جمعيات الطوارئ الدولية مثل Caritas Internationalis أو OXFAM الدولية، بكيفية جد مهمة في تمويل المنتديات الاجتماعية العالمية، وهي أعضاء في المجلس الدولي للمنتدى الاجتماعي العالمي.     ولا إلى أن أولا   

 

حصل التلاقي حول الجوهر بخصوص الأولوية المعطاة للحقوق الأساسية.  وقد تم توضيحها في مؤتمر فيينا حول حقوق الإنسان سنة 1993 الذي وضع مبدأ كونية وتكاملية الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية. وتم تمديدها من طرف واسطة لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة التي حددت حق إمكانية اللجوء إلى القضاء وضمان الحقوق من خلال إعداد البروتوكول الإضافي حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ويؤكد هذا التطور قرار منظمة العفو الدولية أخْذ الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بعين الاعتبار. ويظل الورش مفتوحا بتعميق الارتباط بين الحقوق الفردية والجماعية وبين الحقوق الفردية وحقوق الشعوب.    

 

العلاقة بين الطوارئ والتنمية، تبعا لمختلف معانيهما، هي واحدة من القضايا الرئيسية لهذه الفترة. فنحن نعلم جيدا بأنه يجب الاستجابة للطوارئ، لكن الحل المستدام لا يتمثل في الاستجابة للطوارئ. إذ يجب الشروع في التغيير الاجتماعي والبحث عن البدائل. وتتمثل الرابطة من وجهة النظر هذه في الاستراتيجية: كيف نسلك للاستجابة في حالة طوارئ بالنسبة لأفق ما؟ النقاش الاستراتيجي هو النقاش الأساسي لحركة التضامن الدولي. والعديد من الجمعيات سارت على هذه الطريق. فالجمعية الدولية للإعاقة وجمعيات أخرى تتدخل في حالة الطوارئ تعمل مع "المعمار والتنمية" حول تنظيم سُكنى وأحياء متدامة لتمديد الإيواء وإعادة الإسكان في فترة الكارثة. وقد انتقلت منظمة أطباء العالم من الاستجابة الفورية للحاجيات إلى الحصول على الحق في الصحة وإلى التفكير في استدامة بنيات العلاج.    

 

وللعمل على تجاوز الفرْق بين الطوارئ والتغيير في الديمومة، انخرطت تلك الجمعيات في الشراكة. فهي تبلور أشكال جد متقدمة لبناء الشراكة. ذلك أن التضامن الدولي يعتمد على الشراكة التي هي هدف ووسيلة في نفس الوقت. فحركة العولمة البديلة تمكن من قطع خطوة إضافية في الشراكة. ولا يتعلق الأمر، كما يمكن أن نتأكد من ذلك في المنتديات العالمية، بمساعدة شريك على أن يكون شبيها لكم وإنما يتعلق بالعمل سوية في مشروع مشترك.

 

تنخرط الجمعيات الإنسانية كذلك بكيفية أكثر مباشرة في حركة التضامن وتُبلور مواقف هجومية بالنسبة للسلطات العمومية. وتمثل الأرضيات والحملات أشكالا هي اليوم أشكال مهمة بصفة خاصة لبروز ممارسات جديدة وأشكال من النضال ومقترحات ومفاوضات. فالجمعيات الإنسانية هي أطراف مشاركة نشيطة في هذه الأرضيات، على نحو ما تمكنا من الوقوف عليه مع مشاركة منظمةِ أطباء العالم وجمعية العمل ضد الجوع والجمعية الدولية للإعاقة في حملة «2005، لا عذر بعد الآن!» ضد الفقر. ولا تقتصر العلاقة مع الرأي العام على التأثير في المؤسسات والفاعلين الاقتصاديين وعلى ممارسة الضغط. فالهدف الرئيسي لحركة التضامن الدولي هو الاعتراف بها كفاعل للتغيير والتفاوض المناسب وضمان تقوية الجمعيات والحركات والمجتمعات.     

 

تلتزم الجمعيات الإنسانية بالعمل في اتجاه السلطات العمومية. فعلى هذا النحو تمكنت جمعية الإعاقة الدولية من تغيير القوانين الدولية حول الأسلحة بمنع الألغام المضادة للأشخاص. وهناك مثال يكتسي أهمية خاصة هو مثال حملة منظمة أطباء العالم  التي لا ترغب في حصر عملها في المناطق التي تستغيث من العالم الثالث والتي فتحت فرعا، ثم العديد من الفروع الطبية بعد ذلك في فرنسا للدفع ب "المساعدة العمومية" إلى تقديم العلاج للجميع. وقد أفضى إخفاق هذه العملية التي كانت تطمح إلى أن تكون عملية رمزية بالجمعية إلى القيام بدور فعال في اعتماد نظام "تغطية المرض الشاملة".

 

تستمد حركة العولمة البديلة قوتها من دعم الرأي العام في كل بلد وعلى المستوى الدولي. وهي تطرح مسألة تشكل الرأي العام العالمي وعلاقته بفرضية وعي كوني. ويتمثل العنصر الأكثر أهمية في الفترة الأخيرة في بروز رأي عام في بلدان الجنوب على نحو ما تمكنا من الوقوف عليه مع أزمة الأدوية الجنيسة لمحاربة السيدا في البرازيل والهند وإفريقيا الجنوبية. وواجهت الحركة عندئذ المسألة الصعبة المتمثلة في تشكل الرأي العام وعلى الخصوص في دور وسائل الإعلام. فهو يمكن، دونما إهمال نقد وسائل الإعلام، من أخذ تناقضات وسائل الإعلام بعين الاعتبار لتتجنب تسخيره بسوء نية إلى أقصى حد. وبإمكان الجمعيات الإنسانية أن تقدم لحركة التضامن الدولي فهما مجدَّدا وموسعا للعلاقة مع وسائل الإعلام. وبإمكان المكونتين أن تغتنيا كذلك في بناء خبرة مطبوعة بروح المواطنة تمتد لتشمل الحركات الاجتماعية والمدنية والمواطِنة. وبإمكان هذه الخبرة المطبوعة بروح المواطنة أن تعارض احتكار الخبرات السائدة.     

 

حركة العولمة البديلة غنية بتنوعها وبتعدد التيارات الفكرية المكونة لها. فهي تمكن من فهم أفضل لتعقيد العالم. وهي تمزج ما بين العديد من المقاربات من خلال التدخل في حالة الطوارئ ومقاومة أصناف المنطق السائدة والبحث عن البدائل وتفعيل الممارسات المبدعة والتفاوض المناسب. فتقارب الجمعيات الإنسانية وبقية المكونات الأخرى يفتح آفاقا جديدة لحركة التضامن الدولي.   

 

للاطلاع على المزيد

  • Michel Faucon, Historique, notion et démarche de l’EADSI, CRID, 2006
  • Réseau Polygone, Éducation au Développement, ITECO (Belgique), 1999
  • Michel Doucin, Les ONG acteurs-agis des relations internationales, Thèse de Sciences Politiques, Bordeaux, 2005
  • Henri Rouillé d’Orfeuil, La diplomatie non gouvernementale : Les Ong peuvent-elles changer le monde ?, Éditions Charles Léopold Mayer, 2006
  • Jean Marie Hatton, Note sur la structuration des Organisations de Solidarité Internationale, HCCI, 2006
  • Bertrand Badie et Marie-Claude Smouts, Le Retournement du monde, Sociologie de la scène internationale, Presses de la Fondation Nationale des Sciences Politiques, Dalloz, 1992
  • C. Rufin, Le Piège Humanitaire, Lattès, 1993
  • Pierre Garrigue, Article Action Humanitaire, Encyclopédia Universalis, 1999
  • Maurice Torelli, Le Droit international humanitaire, Que sais-je ?, PUF, 1989

Rechercher